تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
الوضعية ( أي الشرعية لأن الشرع وضع إلهي ) كذلك أظهر حكمه وسننه الخلقية الطبيعية فيصح أن يكون معنى الخلافة عاما في كل ما ميز اللّه به الإنسان على سائر المخلوقات ، نطق الوحي ودل العيان والاختبار على أن اللّه تعالى خلق العالم أنواعا مختلفة ، وخص كل نوع غير نوع الانسان بشئ محدود معين لا يتعداه . فأما مالا نعرفه إلا من طريق الوحي كالملائكة فقد ورد فيها من الآيات والأحاديث ما يدل على أن وظائفه محدودة . قال تعالى ( 21 : 20
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ )
( 37 : 165
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ )
( 37 : 1 ، 2
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ، فَالزَّاجِراتِ زَجْراً )
( 79 : 1 - 5
وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً ، وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً ، وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً ، فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً ، فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً )
على قول من قال : إن المراد بها الملائكة إلى غير ذلك مما يدل على أنهم طوائف لكل طائفة وظيفة محدودة ، وورد في الأحاديث أن منهم الساجد دائما ، والراكع دائما إلى يوم القيامة . وأما ما نعرفه بالنظر والاختبار فهو حال المعدن والجماد ولا علم له ولا عمل . وحال النبات وإنما تأثير حياته في نفسه ، فلو فرض أن له علما وإرادة فهما لا أثر لهما في جعل عمل النبات مبينا لحكم اللّه وسننه في الخلق ، ولا وسيلة لبيان أحكامه وتنفيذها ، فكل حي من الأحياء المحسوسة والغيبية فان له استعدادا محدودا ، وعلما إلهاميا محدودا ، وعملا محدودا ، وما كان كذلك لا يصلح أن يكون خليفة عن الذي لاحد لعلمه وإرادته ، ولا حصر لأحكامه وسننه ، ولا نهاية لأعماله وتصرفه وأما الإنسان فقد خلقه اللّه ضعيفا . كما قال في كتابه ( 4 : 27
وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً )
وخلقه جاهلا كما قال تعالى ( 16 : 78
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً )
ولكنه على ضعفه وجهله عبرة لمن يعتبر ، وموضع لعجب المتعجب ، لأنه مع ضعفه يتصرف في الأقوياء ، ومع جهله في نشأته يعلم جميع الأسماء ، يولد الحيوان عالما بالإلهام ما ينفعه وما يضره ، وتكمل له قواه في زمن قليل ، ويولد الإنسان وليس له من الإلهام إلا الصراخ بالبكاء ، ثم يحس ويشعر بالتدريج البطىء بالنسبة إلى غيره من الحيوان ويعطى قوة أخرى تتصرف بشعوره وإحساسه تصرفا يكون له به السلطان على هذه الكائنات ، فيسخرها ويذللها بعد ذلك كما تشاء تلك القوة الغريبة هي التي يسمونها