على أن هذا النوع من التسليم للعالم القادر . ربما لا يذهب بالحيرة ولا يزيل الاضطراب من نفس المتعجب ، وإنما تسكن النفس ببروز ذلك الأمر الذي كانت تعجب من بروزه إلى عالم الوجود ووقوفها على أسراره وحكمه بالفعل ، ولذلك تفضل اللّه تعالى على الملائكة بإكمال علمهم بحكمته في خلق هذا الخليفة الانساني وسره عند طلوع فجره . فعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة كما سيأتي ، فعلموا أن في فطرة هذا الخليفة واستعداده علم ما لم يعلموا ، وتبين لهم وجه استحقاقه لمقام الخلافة في الأرض ، وأن كل ما يتوقع من الفساد وسفك الدماء لا يذهب بحكمة الاستخلاف وفائدته ومقامه ، وناهيك بمقام العلم وفائدته ، وسر العالم وحكمته
فعلمنا أن السلف والخلف متفقون على تنزيه اللّه تعالى عما لا يليق به من شؤون المخلوقين ، وعصمة ملائكته عما لا يليق بهم من الاعتراض أو الانكار .
فلا فرق في هذه النتيجة بين تفويض وتسليم ، وتأويل وتفهيم ؛ واللّه بكل شئ عليم ، وهاك تفسير الآيات بالتفصيل .
قد علمت مما تقدم أن الآيات متصلة بما قبلها من الكلام في الكتاب ومن جاء به ومن دعى إليه ، فهي تجلى حجة الرسول ودعوته من حيث إن الملائكة إذا كانوا محتاجين إلى العلم ويستفيدونه بالتعلم من اللّه تعالى بالطريقة التي تناسب حالهم فالبشر أولى بالحاجة إلى ذلك منهم لأن طبيعة البشر جبلت على أن يكتسبوا كل شئ اكتسابا ، وهي من جهة أخرى تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم ببيان أن البشر أولى من الملائكة بإنكار ما لم يحيطوا بعلمه حتى يعلموا ، وأنهم جبلوا على أن يتوبوا ويرجعوا بعد أن يخطئوا ويذنبوا ، وأن الافساد في الأرض وجحود الحق ومناصبة الداعي إليه ليس بدعا من قومه ، وإنما هو جبلة أهل الفكر وطبيعة البشر .
ثم إن للمفسرين في ( الخليفة ) مذهبين : ذهب بعضهم إلى أن هذا اللفظ يشعر بأنه كان في الأرض صنف أو أكثر من نوع الحيوان الناطق ، وأنه انقرض ، وأن هذا الصنف الذي أخبر اللّه الملائكة بأن سيجعله خليفة في الأرض سيحل محله ويخلفه ، كما قال تعالى بعد ذكر إهلاك القرون ( 10 : 14
ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ
« تفسير القرآن الحكيم » « 17 » « الجزء الأول »