ثم إن الذي يتبادر إلى الفهم من صيغة التعليم هو التدريج قال تعالى ( 2 : 151
وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ )
وما كان ذلك إلا تدريجا وهذا ظاهر في جميع الآيات التي فيها لفظ التعليم كقوله ( 4 : 115
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ )
وقوله ( 3 : 48
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ )
إلى غير ذلك - ولكن المتبادر من تعليم آدم الأسماء :
أنه كان دفعة واحدة إذا أريد بآدم شخصه بالفعل أو بالقوة ، ولذلك قال شيخنا :
علم اللّه آدم كل شئ ولا فرق في ذلك بين أن يكون له هذا العلم في آن واحد أو في آنات متعددة واللّه قادر على كل شئ ، ثم إن هذه القوة العلمية عامة للنوع الآدمي كله ، ولا يلزم من ذلك أن يعرف أبناؤه الأسماء من أول يوم فيكفي في ثبوت هذه القوة لهم معرفة الأشياء بالبحث والاستدلال ، علم اللّه آدم الأسماء على نحو ما بينا
ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ
أي أطلعهم اطلاعا اجماليا بالالهام الذي يليق بحالهم على مجموع تلك الأشياء ولو عرضت على نفوسهم عرضا تفصيليا لعلموها ولم يكن علمهم محدودا والحال أنه عرضها عليهم وسألهم عنها سؤال تعجيز
فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ
المسميات والغرض من الانباء بأسمائها الإبانة عن معرفتها ومعنى
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أي إن كان هناك موقع للدهشة والاستغراب من جعل الخليفة في الأرض من البشر ، وكان ما طرق نفوسكم وطرأ على أذهانكم أولا حالا محله ، ومصيبا غرضه ، ولما تعرفوا حقيقة ما يمتاز به الخليفة . فأنبئونى بأسماء ما عرضته عليكم
* * *
قالُوا سُبْحانَكَ
أي تنزيها لك ، فلفظ سبحان مصدر قلما يستعمل إلا مضافا كمعاذ اللّه ، وهو منصوب بفعل مقدر ، والمعنى نقدسك وننزهك أن يكون علمك قاصرا فتخلق الخليفة عبثا ، أو تسألنا شيئا نفيده وأنت تعلم أننا لا نحيط بعلمه ، ولا نقدر على الانباء به ، وكلمة « سبحانك » تهدى إلى هذا فكأنها جملة وحدها ، وهذه هي البلاغة مضروب سرادقها ، مثمرة حدائقها ، متجلية حقائقها ، على أن القصة وردت مورد التمثيل ، واللّه يقول الحق وهو يهدى السبيل ، وبعد تنزيه الباري تبرؤا من علمهم إلى علمه تعالى وحكمته فقالوا
لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا
وهو محدود لا يتناول جميع الأسماء ولا يحيط بكل المسميات
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ
يخلقك
الْحَكِيمُ
في صنعك