تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
مِنْ بَعْدِهِمْ )
وقالوا : إن ذلك الصنف البائد قد أفسد في الأرض وسفك الدماء وأن الملائكة استنبطوا سؤالهم بالقياس عليه ، لأن الخليفة لا بد أن يناسب من يخلفه ويكون من قبيله كما يتبادر إلى الفهم ؛ ولكن لما لم يكن دليل على أنه يكون مثله من كل وجه وليس ذلك من مقتضى الخلافة ؛ أجاب اللّه الملائكة بأنه يعلم مالا يعلمون مما يمتاز به هذا الخليفة على من قبله ، وما له سبحانه في ذلك من الحكمة البالغة ( قال الأستاذ ) وإذا صح هذا القول فليس آدم أول الصنف العاقل من الحيوان على هذه الأرض ، وإنما كان أول طائفة جديدة من الحيوان الناطق تماثل الطائفة أو الطوائف البائدة منه في الذات والمادة ، وتخالفها في بعض الأخلاق والسجايا . هذا أحسن ما يجلى فيه هذا المذهب وأكثر ما قالوه فيه قد سرى إلى المسلمين من أساطير الفرس وخرافاتهم ، ومنه أنه كان في الأرض قبل آدم خلق يسمون بالحن والبن ، أو الطم والزم ، والأكثرون على أن الخلق الذين كانوا في الأرض قبل آدم مباشرة كانوا يسمون الجن ، والقائلون منهم بالحن ( بالمهملة ) والبن قالوا إنهم كانوا قبل الجن ، وقالوا : إن هؤلاء عاثوا في الأرض فسادا ، فأبادهم اللّه ( كما تقدم آنفا ) وقالوا : إن اللّه تعالى أرسل إليهم إبليس في جند من الملائكة فحارب الجن فدمرهم وفرقهم في الجزائر والبحار . وليس لهم في الاسلام سند يحتج به على هذه القصص ، ولكن تقاليد الأمم الموروثة في هذه المسألة تنبىء بأمر ذي بال ، وهي متفقه فيه بالاجمال ، ألا وهو ما قلناه من أن آدم ليس أول الأحياء العاقلة التي سكنت الأرض . هذا هو المذهب الأول في تفسير الخليفة ، وذهب الآخرون إلى أن المراد إني جاعل في الأرض خليفة عنى ، ولهذا شاع أن الانسان خليفة اللّه في أرضه . وقال تعالى ( 38 :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ )
والظاهر واللّه أعلم أن المراد بالخليفة آدم ومجموع ذريته ، ولكن ما معنى هذه الخلافة ، وما المراد من هذا الاستخلاف هل هو استخلاف بعض الانسان على بعض ؛ أم استخلاف البعض على غيره ؟ جرت سنة اللّه في خلقه بأن تعلم أحكامه للناس وتنفذ فيهم على ألسنة أناس منهم يصطفيهم ليكونوا خلفاء عنه في ذلك وكما أن الإنسان أظهر أحكام اللّه وسننه
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 258 | الشيخ محمد رشيد رضا