مِنْ بَعْدِهِمْ )
وقالوا : إن ذلك الصنف البائد قد أفسد في الأرض وسفك الدماء وأن الملائكة استنبطوا سؤالهم بالقياس عليه ، لأن الخليفة لا بد أن يناسب من يخلفه ويكون من قبيله كما يتبادر إلى الفهم ؛ ولكن لما لم يكن دليل على أنه يكون مثله من كل وجه وليس ذلك من مقتضى الخلافة ؛ أجاب اللّه الملائكة بأنه يعلم مالا يعلمون مما يمتاز به هذا الخليفة على من قبله ، وما له سبحانه في ذلك من الحكمة البالغة ( قال الأستاذ ) وإذا صح هذا القول فليس آدم أول الصنف العاقل من الحيوان على هذه الأرض ، وإنما كان أول طائفة جديدة من الحيوان الناطق تماثل الطائفة أو الطوائف البائدة منه في الذات والمادة ، وتخالفها في بعض الأخلاق والسجايا .
هذا أحسن ما يجلى فيه هذا المذهب وأكثر ما قالوه فيه قد سرى إلى المسلمين من أساطير الفرس وخرافاتهم ، ومنه أنه كان في الأرض قبل آدم خلق يسمون بالحن والبن ، أو الطم والزم ، والأكثرون على أن الخلق الذين كانوا في الأرض قبل آدم مباشرة كانوا يسمون الجن ، والقائلون منهم بالحن ( بالمهملة ) والبن قالوا إنهم كانوا قبل الجن ، وقالوا : إن هؤلاء عاثوا في الأرض فسادا ، فأبادهم اللّه ( كما تقدم آنفا ) وقالوا : إن اللّه تعالى أرسل إليهم إبليس في جند من الملائكة فحارب الجن فدمرهم وفرقهم في الجزائر والبحار . وليس لهم في الاسلام سند يحتج به على هذه القصص ، ولكن تقاليد الأمم الموروثة في هذه المسألة تنبىء بأمر ذي بال ، وهي متفقه فيه بالاجمال ، ألا وهو ما قلناه من أن آدم ليس أول الأحياء العاقلة التي سكنت الأرض .
هذا هو المذهب الأول في تفسير الخليفة ، وذهب الآخرون إلى أن المراد إني جاعل في الأرض خليفة عنى ، ولهذا شاع أن الانسان خليفة اللّه في أرضه . وقال تعالى ( 38 :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ )
والظاهر واللّه أعلم أن المراد بالخليفة آدم ومجموع ذريته ، ولكن ما معنى هذه الخلافة ، وما المراد من هذا الاستخلاف هل هو استخلاف بعض الانسان على بعض ؛ أم استخلاف البعض على غيره ؟
جرت سنة اللّه في خلقه بأن تعلم أحكامه للناس وتنفذ فيهم على ألسنة أناس منهم يصطفيهم ليكونوا خلفاء عنه في ذلك وكما أن الإنسان أظهر أحكام اللّه وسننه