تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
فلم يكتف أولئك الفاسقون المنكرون للمثل الذي ضربه اللّه لعباده بنقض حبل العهد الإلهي . وحل طاقاته ونكث فتله حتى قطعوه قطعا . وأفسدوا بذلك نظام الفطرة ونظام الهداية الدينية أصلا وفرعا . ولذلك عقب هذا الوصف بقوله
وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
وأي إفساد أكبر من إفساد من أهمل هداية العقل وهداية الدين . وقطع الصلة بين المقدمات والنتائج . وبين المطالب والأدلة والبراهين . من كان هذا شأنه فهو فاسد في نفسه ووجوده في الأرض مفسد لأهلها لأن شره يتعدى كالأجرب يعدى السليم . ولذلك ورد في السنة النهى عن قرناء السوء . والمشاهدة والتجربة مؤيدة للسنة ومصدقة لها . خصوصا إذا قعدوا في سبيل اللّه يصدون عنها ويبغونها عوجا . فإن إفسادهم يكون أشد انتشارا وأشمل خسارا ولما كان إفساد هؤلاء عاما للعقائد والأخلاق والأعمال لأن علته فقد الهدايتين هداية الفطرة وهداية الدين - سجل عليهم الخسران وحصره فيهم بقوله
أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
بالخزى في الدنيا والعذاب في الآخرة أما خسرانهم في الدنيا فهو ظاهر لأرباب البصائر الصافية . والفضائل السامية . ولكنه يخفى على الأكثرين . بالنسبة إلى الأغنياء من أولئك الخاسرين . يرونهم متمتعين بلذات الدنيا وشهواتها . فيحسبون أنهم مغبوطون سعداء بها . فيكون هذا الحسبان من آلات الافساد . ولو سبروا أغوارهم . وبلوا أخبارهم . لأدركوا أن ما هم فيه من ظلمة النفس وضيق العطن وفساد الأخلاق بنغص عليهم أكثر لذاتهم ويقذف بهم إلى الافراط الذي يولد الأمراض الجسدية والنفسية . ويثير في نفوسهم كوامن الوساوس . ويجعل عقولهم كالكرة تتقاذفها صوالجة الأوهام . وأن حب الراحة يوقعهم في تعب لا نهاية له . وهو تعب البطالة والكسل أو العمل الاضطراري ومن لا يذوق لذة العمل الاختياري لا يذوق لذة الراحة الحقيقية . لأن اللّه تعالى لم يضع الراحة في غير العمل . وإنما سعادة الدنيا بصحة الجسم والعقل وأدب النفس الذي يرشد إليه الدين . فمن فقد هذه الأشياء فقد خسر الدنيا والآخرة و
( ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ) *