* * *
( 28 )
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
( 29 )
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
* * *
الكلام متصل بما قبله ومرتبط به ارتباطا محكما والخطاب للفاسقين الذين يضلون بالمثل فإنه وصفهم أولا بنقص العهد الإلهي الموثق ، وقطع ما أمر به سبحانه أن يوصل ، سواء كان الأمر أمر تكوين وهو السنن الكونية ، أو أمر تشريع وهو الديانة السماوية ، ثم بعد هذا البيان جاء بهذا الاستفهام التعجيبى عن صفة كفرهم مقترنا بالبرهان الناصع على أنه لا وجه له ، ولا شبهة تسوغ الإقامة عليه ، فقال
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
أي بأي صفة من صفات الكفر باللّه تعالى تأخذون ، وعلى أية شبهة فيه تعتمدون ، وحالكم في موتتيكم وحياتيكم تأبى عليكم ذلك ولا تدع لكم عذرا فيه ؟ وبين هذه الحال بقوله
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
أي والحال انكم كنتم قبل هذه النشأة الأولى من حياتكم الدنيا أمواتا منبثة اجزاؤكم في الأرض ، بعضها في طبقتها الجامدة وبعضها في طبقتها السائلة وبعضها في طبقتها الغازية ( الهوائية ) لا فرق في ذلك بينها وبين أجزاء سائر الحيوان والنبات ، فخلقكم أطوارا من سلالة من طين ، فكنتم بالطور الأخير في أحسن تقويم ، وفضلكم على غيركم بما وهبكم من العقل والادراك ، وما سخر لكم من الكائنات
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
بقبض الروح الحي الذي به نظام حياتكم هذه فتنحل أبدانكم بمفارقته إياها وتعود إلى أصلها الميت وتنبث في طبقات الأرض وتدغم في عوالمها ، حتى ينعدم هذا الوجود الخاص بها
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
حياة ثانية كما أحياكم بعد الموتة الأولى بلا فرق الا ما تكون به الحياة الثانية أرقى في مرتبة الوجود وأكمل لمن يزكون أنفسهم في تلك ، وأدنى منها وأسفل فيمن يدسونها ويفسدون فطرتها
( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها )