كمن يغير قافية أبيات من الشعر بمعناها أو بمعنى آخر ، كقول الشاعر :
ما لمن تمت محاسنه * أن يعادى طرف من رمقا
لك أن تبدى لنا حسنا * ولنا أن نعمل الحدقا
قدحت عيناك زند هوى * في سواد القلب فاحترقا
غيرت قوافيها لفظا لا معنى بالبداهة فقلت :
ما لمن تمت محاسنه * أن يعادى طرف من مقلا
لك أن تبدى لنا حسنا * ولنا أن نعمل المقلا
قدحت عيناك زند هوى * في سواد القلب فاشتعلا
« مقل » نظر بمقلته . ثم غيرتها أيضا بكلمات : نظر ؛ أو بصرا - النظرا - فاستعرا - فهل أكون بهذا معارضا للأصل ، وفي طبقة صاحبه من غزل الشعر ؟
إعجاز سورة الكوثر
وأما السورة فهي في أفق أعلى مما قال مسيلمة الكذاب ، ومما عزاه إليه المبشر الجاهل المخادع ، حتى لو فرض أنه قال ما قال من تلقاء نفسه .
« الكوثر » في السورة لا يوجد في اللغة ما يحكيه أو يحل محله فيها ، إذ معناه الكثير البالغ منتهى حدود الكثرة في الخير حسيا كان ، كالمال والرجال والذرية والأتباع ، أو معنويا ، كالعلم والهدى والصلاح والإصلاح ، ويشمل الكثير من خيرى الدنيا والآخرة . وهو يطلق على السخى الجواد أيضا .
وأما موقعه في أول السورة وموقع كلمة « الأبتر » في آخرها اللذان اقتضتهما البلاغة وتأبى أن يحل غيرهما محلهما فهو أن رؤساء المشركين المستكبرين كانوا يحقرون أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لفقره وضعف عصبيته ويتربصون به الموت أو غيره من الدوائر زاعمين أن ماله من قوة التأثير في الأنفس بتلاوة القرآن يزول بزوال شخصه كما قال تعالى ( 52 : 30
أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ
31
قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ )
وكانوا يقولون عندما رأوا أبناءه يموتون : بتر محمد ؛ أو صار أبتر ، أي انقطع ذكره بانقطاع ولده وعصبته ، وكانوا يعدون الفقر وانقطاع العقب مطعنا في دينه ودليلا على توديع اللّه له وعدم عنايته به تبعا لاستدلالهم بالغنى