النفس البشرية وكونها لا تزول من الوجود بالموت المعهود ، وهي عقيدة اتفقت عليها كلمة البشر من المليين موحديهم ووثنييهم والفلاسفة إلا قليلا من الماديين الجدليين الذين لا يعتدون إلا بمدركات الحس ( وثانيهما ) مأخوذ من طبيعة الإنسان في حياته الاجتماعية
بين الأستاذ في الأول ان الإنسان محتاج بمقتضى تلك العقيدة والشعور النوعي العام بالبقاء والانتقال من طور إلى آخر في الحياة إلى هداية يستعد بها للحياة الآخرة الباقية وهي من عالم الغيب الذي لا يدرك من أمره شيئا فيستقل عقله في العلم بما يجب عليه من الاستعداد له ، فلا بد أن تكون هذه الهداية من عند اللّه تعالى الذي خلقه للبقاء الذي يعقله في الجملة ، لا للزوال والعدم المحض الذي لا يعقل ولا يتصور ولا يتخيل ، وانما عاقبة الموت انحلال هذه الصور الجسدية ، وتفرق هذه المركبات المادية . فاللّه هو العليم بما يصلح به حاله في تلك الحياة ، وتأبى حكمته ورحمته وجوده واتقانه لكل شئ خلقه وتنزهه عن الباطل والعبث أن يحرمه هذه الهداية
وبين في الثاني أن هذه الحياة الاجتماعية الإنسانية لا يستقيم فيها التعاون بين الأفراد ولا بين الجماعات إلا بالأخذ بتعاليم اعتقادية وأدبية وعملية لا تختلف فيها الأهواء والشهوات لأن الوازع فيها نفسي وجداني لصدورها عن الرب الحكيم العليم ، بوحي أوحاه إلى من اختصه بهذا الفضل العظيم ، ولولا أن طال هذا الاستطراد في تفسير الآية لأوردت هذا الفصل برمته هنا فهو في المسألة الحجة البالغة والحكمة وفصل الخطاب
إلا أنني أقول إن أعلم الحكماء الغربيين في هذا العصر قد بينوا في مباحثهم في طبائع البشر ان الإنسان إذا ترك إلى مداركه الحسية ونظرياته العقلية وتسلل من وجدان الدين والإلهام الإلهى بالحياة الأخرى يكون أشقى من جميع أنواع الحيوان الأعجم ويكون جل شقائه من نظرياته العقلية ، فهو إذا فكر في هذه الحياة القصيرة التي تساورها الآلام الشخصية من جسدية ونفسية والآلام المنزلية ( العائلية ) والقومية والوطنية والدولية - يراها عبئا ثقيلا ، ويرى من السخف أو الجنون أن يحمل شيئا منها مختارا لأجل زوجة أو ولد أو وطن أو أمة - ويرى أن الطريقة المثلى في الحياة أن لا يتعرض لألم من هذه الآلام فلا يتزوج
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 223
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٢٢٣