تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
فهؤلاء المنكرون لوجود الخالق لا كلام لنا معهم في مسألة النبوة والوحي إلا بعد أن نتكلم معهم أولا في إثبات وجود الخالق وصفات ربوبيته ، ولكن أكثر منكري النبوة يؤمنون بوجود اللّه تعالى ، وإنما يستبعدون معنى الوحي ، وليس ببعيد في نظر العقل الوحي في اللغة : إعلام في خفاء . ووحى اللّه تعالى إلى أنبيائه علم يخصهم به من غير كسب منهم ولا تعلم من غيرهم ، بل هو شئ يجدونه في أنفسهم من غير تفكر ولا استنباط ، مقترنا بعلم وجداني ضروري بأن الذي ألقاه في قلوبهم هو الرب القادر على كل شئ ، وقد يتمثل لهم ملك فيلقنهم ذلك العلم ، وقد يكون بغير وساطة ملك . قال تعالى ( 26 : 191
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ
192
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
193
عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ )
فأي استحالة أو بعد في هذا عند من يؤمن برب العالمين ، وعلمه وحكمته وقدرته في المخلوقين ؟ وعرفه شيخنا في رسالة التوحيد « بأنه عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين من قبل اللّه تعالى بواسطة أو بغير واسطة ، والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت . ( قال ) ويفرق بينه وبين الإلهام بأن الإلهام وجدان تستيقنه النفس وتنساق إلى ما يطلب على غير شعور منها من أين أتى ، وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور » ثم بين إمكان هذا ووقوعه وأسباب شك بعض الناس فيه وتفنيد شبهاتهم عليه بما يراجع في الرسالة نفسها وأما تمثل الملك فكانوا يكتفون في إثباته بقولهم : إنه ممكن في نفسه وقد أخبر به الصادق فوجب تصديقه . ونقول اليوم : إن العلوم الكونية لم تبق شيئا من أخبار عالم الغيب غريبا ، إلا وقربته إلى العقل ، بل وإلى الحس تقريبا ، بل ظهر من الاختراعات المادية المشاهدة في هذا العصر ، ما كان يعد عند الجماهير محالا في نظر العقل ، لا غريبا فقط . فإذا كان الإنسان الكيميائى يحلل الأجسام الكثيفة حتى تصير غازات لا ترى من شدة لطفها ، ويكثف العناصر اللطيفة فتكون كالجامدة بطبعها ، فكيف يستغرب تكثيف الملك لنفسه ، وهو من الأرواح ذات المرّة والقوة العظيمة يأخذه من مواد العالم المنبثة فيه هيكلا على صورة الانسان مثلا ؟ دع مخترعات