لأفراد أتيح لهم من الأسباب ونفوذ الحكومات ما لم يتح لغيرهم ، فما بالك بالجمع بين هذا وبين العلم والعمل في سبيل الهداية الروحية والاستعداد لسعادة الآخرة والنجاح التام معا ، على ما فيهما من عدم سبق الاستعداد لهما بعلم ولا عمل ؟
وجملة القول : أن موضوع الرسالة : تعليم وإرشاد إلهي يملك الوجدان ، وتذعن له النفس بالإيمان ، فيكون هداية تزع صاحبها عن الباطل والشر ، وتوجهه إلى الحق والخير ، وإن القرآن قد بلغ مرتبة الكمال فيها ، فاهتدت به الأمم والشعوب ، فمن كان يؤمن بها على علم بحقيقتها ، لا تقليدا لآبائه وقومه فيها ، لا يسعه أن يؤمن بالتوراة أو الإنجيل أو الفيدا ، أو غيرهن من الكتب المنسوبة إلى المرسلين الأولين ولا يؤمن بالقرآن ، وهو أكملها في موضوعها ، وأصحها نسبا إلى من جاء به
اللّه أكبر إن دين محمد * وكتابه أقوى وأقوم قيلا
لا تذكروا الكتب السوالف عنده * طلع الصباح فأطفأ القنديلا
ومن كان يؤمن باللّه تعالى وأنه هو الرب الخالق للعالم بأكمل نظام ، المدبر لأمور العباد بالحكمة والاحكام ، وأنه هو الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ، وتأمل في تاريخ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المنقول نقلا مستفيضا ومتواترا ، فلا يسعه أن يزعم أن بعثة محمد الأمى العربي ، وإتيانه بهذا القرآن ، المشتمل على ما أشرنا إليه من ضروب الإعجاز ، قد كان من أمور التعاليم البشرية الكسبية وما حدث به من الهداية التي قلبت تاريخ البشر كان من الأمور العادية ، بل لا يسعه إذا أنصف إلا أن يؤمن بأن هذه الحادثة الانقلابية في دين الأمم ودنياها ، قد كانت بعناية خاصة من الرب الحكيم العليم ، المدبر الرحيم ، وأنه هو الذي أفاض هذا القرآن الحكيم على قلب ذلك الرجل الأمى بعد أربعين سنة ، قضاها في قومه لم يؤثر عنه شئ من مثل علومه ، ولا مما يقرب من أسلوبه وبلاغته
هذا وإن لتحقيق هذه الدلالة العلمية على النبوة والرسالة مقدمات علمية وفلسفية مستنبطة من حاجة البشر - في كمالهم النوعي في الدنيا وفي استعدادهم للحياة الأبدية - إلى هداية الرسالة ، وقد عقد شيخنا الأستاذ الإمام لهذا البحث فصلا طويلا في « رسالة التوحيد » سلك فيه مسلكين ( أحدهما ) مبنى على عقيدة خلود