العلم بطب الأرواح ، أعلى وأعز منالا من العلم بطب الأجساد ، وأن معالجة أمراض الأخلاق وأدواء الاجتماع ، أعسر من مداواة أعضاء الأفراد ، ومن المعلوم بالضرورة أن القرآن مشتمل على العقائد الصحيحة ، والآداب العالية ، وأصول التشريع الاجتماعي والمدني ، وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عالج به أمة عريقة في الشقاق وحمية الجاهلية ، غريقة في الجهل والأمية ، ورذائل الوثنية ، فشفيت واتحدت وتعلمت الكتاب والحكمة . وسادت الأمم ، من بدو وحضر ، مع أنه كان أميا لم يتعلم شيئا من العلوم ، ولم يتمرس بسياسة الشعوب .
كفاك بالعلم في الأمى معجزة * في الجاهلية والتأديب في اليتم
لو استدل ذلك الطبيب الجسدانى على صحة دعواه بعمل غير مألوف للناس ، ولكن لا علاقة له بالطب لأمكن المراء في صحة دعواه - كذلك شأن هذا النّبى في ادعائه أنه مرسل من اللّه لهداية البشر ، فإن كتابه العلمي المؤيد بنجاح العمل به أدل على كونه وحيا أوحاه اللّه إليه من جعل عصاه حية ، أو إحيائه ميتا . لأن هذين على غرابتهما ليسا من موضوع الإرشاد والتعليم ، كما أنهما ليسا من موضوع الطب ، فهما إن دلا على صدق الرسول فدلالتهما ليست في أنفسهما ، والإتيان بعمل خارق للمألوف في العادة من سنن الكون ، هو دون الإتيان بالعلوم العالية الآلهية والتشريعية من غير تعليم ، فكيف بالإتيان بأنباء الغيب الماضي والمستقبل ؟ فكيف بصلاح حال من عملوا بهذه العلوم دينا ودنيا ؟ فالقرآن إذا برهان على أن ما فيه الطب الروحاني الاجتماعي وحى من الرب المدبر الحكيم لا يمارى فيه إلا معاند مكابر ، أو مقلد جاهل
أما المكابرون الذين يجحدون الحق وهم يعلمون ، فأمثال رؤساء المشركين ورؤساء اليهود في زمن البعثة المحمدية الذين ثقل على طباعهم ترك رياستهم ، وصيرورتهم أتباعا مساوين لفقراء المسلمين ومواليهم ، ولا يخلو هذا العصر من أناس منهم ، وأما المقلدون فعوام أهل الأديان والمذاهب في كل عصر الذين لا ينظرون في دليل ولو كان حسيا . وكذلك المفتونون ببعض شبهات الماديين من الفلاسفة وعلماء الطبيعة الذين قلدوهم في الكفر باللّه تعالى كما قال الشاعر في أمثالهم :
عمى القلوب عموا عن كل فائدة * لأنهم كفروا باللّه تقليدا