تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
وأسلوبه وفصاحته وبلاغته ، فقامت عليهم الحجة به بأقوى مما قامت آيات موسى وعيسى على قومهما . وفي هذا القول من التقصير في حجة القرآن ما علمت والحق الذي يقال في هذا المقام : أن ما أيد اللّه تعالى به رسله من الآيات الكونية كان مناسبا لحال زمان كل منهم وأهله ، وقامت الحجة على من شاهد تلك الآيات في عهده ، ثم على من صدق المخبرين من بعده ، وقد علم اللّه تعالى أن سلسلة النقل ستنقطع ، وأن ثقة بعض المتأخرين به ولا سيما بعد انقطاع سلسلته ستضعف ، وأن دلالتها على الرسالة ستنكر - فجعل الآية الكبرى على إثبات رسالة خاتم النبيين علمية دائمة لا تنقطع ، وهي هذا الكتاب المعجز للخلق بما فيه من أنواع الاعجاز السبعة التي ذكرناها ، وبينا أن كل واحد منها آية بينة لمن ألقى السمع وهو شهيد ، وكان مستقلا مطلقا من أسر النظريات المادية وقيود التقليد . إذ لا يتصور عاقل يؤمن برب العالمين أن يصدر هذا الكتاب المشتمل على هذا القدر السنيع « 1 » من المعاني ، في هذا الأسلوب البديع والنظم المنيع من المباني ، من رجل أمي ولا متعلم أيضا ، إلا أن يكون وحيا اختصه به الرب عز وجل ، ناهيك به وقد جزم بعجز الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله ، ثم تحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله ، فهذا التحدي حجة مستقلة على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بصرف النظر عن المتحدى به ما هو ، وكل نوع من تلك الأنواع السبعة الثابتة للقرآن حجة مستقلة في نفسها ، وحجة أنهض وأقوى باعتبار أمية من جاء بها ، فان أمكن تمحل المراء والجدل في بعض الوجوه التي ذكرنا لإعجازه ، فهل يمكن ذلك في جملتها أو في كل منها ؟ كلا سبق لنا أن ضربنا مثلا لنبوته صلّى اللّه عليه وسلّم : رجلا ادعى في بلاد كثرت فيها الأمراض أنه طبيب وأن دليله على ذلك أنه ألف كتابا في علم الطب يداوى المرضى بما دونه فيه فيبرؤن ؛ فاطلع عليه الأطباء البارعون فشهدوا بأنه خير الكتب في هذا العلم وما يتعلق به من عمل ، ثم عرض عليه من لا يحصى عددا من المرضى وقبلوا ما وصفه لهم من الأدوية فبرؤا من عللهم وصاروا أحسن الناس صحة ، فهل يمكن المراء في صحة هذه الدعوى مع هذين البرهانين العلمي والعملي ؟ كلا . وإن
هامش
( 1 ) السنيع : هو الجامع بين الطول والحسن ، من سنع سنوعا وسناعة