تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦

وجه دلالة القرآن على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم

( تمهيد ) الإيمان بالنبوة والرسالة ، ينبنى على الإيمان بالربوبية والإلهية ؛ فلا يخاطب بإثباتها والدليل عليها إلا من يؤمن باللّه تعالى وصفاته من العلم والحكمة والمشيئة والقدرة وتدبير أمر العالم ، وأكثر البشر يؤمنون بوجود الخالق المدبر صاحب السلطان الغيبي ، لأنه مما أودع في الفطرة البشرية ، ولا يعقل هذا النظام المشاهد في العالم بدونه ، كما هو مقرر في مواضعه ، ولكن الكثيرين يخطئون في فهم صفاته والكلام في تدبيره وتقديره ، لاختلاف أنظارهم وتقاليدهم في ذلك . والذين حرموا هذا الإيمان قسمان : همج من سكان الغابات الوحشية . وأصحاب شبهات طارئة . ومثل الأول مثل الخداج الذي يولد ناقصا . ومثل الثاني مثل من يصاب ببعض مشاعره أو أعضائه . ومراكز الإدراك في المخ يصاب بعضها بالمرض أو الضعف دون بعض . فلا يغترن أحد من المتقين بكفر بعض المتقنين لبعض العلوم والفنون ، الذين شغلتهم الصنعة عن الصانع . كما شغل حب ليلى مجنون بنى عامر عن شخصها . حتى قيل : إنها زارته فلم يحفل بها . وأكثر الذين يؤمنون باللّه تعالى يؤمنون بالرسل الذين خصهم اللّه بنوع من العلم والهدى بغير تعلم ولا كسب . وأيدهم بآيات منه دانت لها عقول المستعدين للهداية وخضعت قلوبهم فآمنوا واهتدوا . وكانت حالهم البشرية بعد الايمان والهدى خيرا مما كانوا عليه هم وآباؤهم قبل ذلك صلاحا . وقد بعث اللّه تعالى رسلا إلى جميع الأمم دعوها إلى أصول الدين الثلاثة المبينة في قوله تعالى ( 2 : 62
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ )
فالرسل عليهم السّلام كانوا متفقين في الدعوة إلى الإيمان باللّه واليوم الآخر والعمل الصالح . وإنما كانوا يختلفون في تفصيل الأعمال الصالحة والشرائع المصلحة بحسب اختلاف استعداد أممهم . وقد طرأت على أتباعهم من بعدهم بدع وثنية وخرافية وضاعت أكثر تعاليمهم من الأمم القديمة . وإنما بقيت بقية صالحة منها عند المتأخرين من اليهود والنصارى فيها من الشوائب ما أشرنا إليه آنفا . وكذلك بقيت في جميع
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 216 | الشيخ محمد رشيد رضا