تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
أخبار الغيب الماضية من هذا البحث تصريح الآيات بأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن يعلم ما قصته السور منها ولا قومه ، ولم يمكن لأحد من خصومه المشركين أن يكذب أو يمارى في ذلك . هذا وإن ما لخصناه هنا من حكم القرآن عليها يثبت أنه حكم علىّ نزل من فوق السماوات العلى : حكم العليم الحكيم الحكم العدل المهيمن ، وأن تحقيق المحققين من مؤرخي الأمم وتحقيق العقلاء من البشر قد أثبت ما أثبته هذا الحكم ، وقد نفى ما نفاه ، أليس هذا أنصع برهان على كونه حكم اللّه ، لا حكم عبده محمد بن عبد اللّه ؟ بلى واللّه ؛ ثم بلى واللّه ، ثم بلى واللّه ، لا يمارى في ذلك إلا متعصب أضله اللّه ومن قرأ التوراة والإنجيل ثم قرأ ما في القرآن من أخبار الرسل يرى أمرا آخر ، يرى أن القرآن بين صفوة ما فيهما من صحة عقيدة ، ومن أدب وفضيلة ، ومن عبرة وموعظة ، ومن أسوة بالأخيار حسنة ، وسكت عن كل ما فيهما مما ينافي ذلك ويخل به ، أو يجعل أفضل البشر قدوة سيئة ، وصرح بنقض ما طرأ على أهل الكتاب من نزغات الشرك والوثنية . فإن فرضنا - تنزلا - أن هذا من صنع محمد بن عبد اللّه الأمى ، أفلا يكون برهانا على أنه هو في شخصه أرقى من جميع الأنبياء والمرسلين علما وعقلا وهداية وإرشادا ؟ بلى ، ولكن كيف يعقل حينئذ أن يكونوا أنبياء مرسلين ، وموحى إليهم من اللّه أو ملهمين ؟ الحق أن نفى نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم يقتضى نفى النبوة وإبطال الرسالة من أصلها ، لأنها هي التي تعقل لذاتها ، وإنما يظهر ثبوت غيرها بالتبع لثبوتها ، وإننا رأينا بعض الكافرين بالوحي ، من الباحثين المستقلى الفكر ، يفضلون محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم على جميع الخلق ، ومنهم الدكتور شبلى شميل السورى المشهور ، فقد صرح بذلك قولا وكتابة ، وأثبته نظما ونثرا . وقد آن أن نبين وجه دلالة القرآن على نبوته صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ، ومن آمن به وشاركهم في الاهتداء يهديه من بعده إلى يوم القيامة
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 215 | الشيخ محمد رشيد رضا