تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
فهذا النوع من المعارف التي جاءت في سياق بيان آيات اللّه وحكمه كانت مجهولة للعرب أو لجميع البشر في الغالب . حتى إن المسلمين أنفسهم كانوا يتأولونها ويخرجونها عن ظواهرها لتوافق المعروف عندهم في كل عصر من ظواهر وتقاليد أو من نظريات العلوم والفنون الباطلة - فإظهار ترقى العلم لحقيقتها المبينة فيه مما يدل على أنها موحى بها من اللّه تعالى . هذه أمثلة من مسائل العلوم الكونية والفنون الطبيعية التي خطرت بالبال عند الكتابة من غير تفكر ولا مراجعة إلا لأعداد الآيات والسور ، ولا بد من تعزيزها ببعض الأمثلة الخاصة بالتاريخ ، وليس التاريخ من حيث هو تاريخ حد من العلوم التي تطلب من الكتاب الإلهى ، ولم يذكر فيه شئ منه بقصد سرد حوادث التاريخ ، وإنما جاء ما جاء فيه من ذكر أمم الرسل للعظة والاعتبار ، وبيان سنن اللّه تعالى في الأمم والأقوام ، وتثبيت قلب خاتم الرسل عليه الصلاة والسّلام . كما أن ذكر السماوات والأرض وما بينهما وما في الأرض من المواليد الثلاثة لم يذكر شئ منه لبيان حقائق الموجودات في أنفسها ، وإنما ذكرت في سياق آيات اللّه تعالى الدالة على علمه وقدرته وحكمته ورحمته وفضله على عباده الخ وقد تضمن كل من هذا وذاك بدقة التعبير وإعجاز البيان ، آيات أخرى تظهر آنا بعد آن ، دالة على أنواع من إعجاز القرآن ، وكونه وحيا من الرحمن ، فكتابه تعالى مظهر لقوله ( 55 : 29
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ )
أكتفى من هذا النوع الذي له علاقة بالتاريخ بمسألة عظيمة الشأن تشتمل على شواهد كثيرة منه ، وهي حكم القرآن الحق على التوراة والإنجيل اللذين كان يدين اللّه تعالى بهما أعظم شعوب الأرض مكانة في العالم وأوسعهم علما وحضارة ولا يزال الكثيرون منهم يقدسونهما . مع بيان بعضهم لما نقض العلم منها ، وكذا سائر الكتب التي يعبرون عن مجموعها بالعهدين القديم والجديد . ما هذا الحكم الذي صدر من عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم ، على لسان عبده ورسوله النبي الأمى الذي لم يقرأ في حياته سفرا ، ولم يكتب سطرا ، ولم يحط بشئ من أخبار التاريخ خبرا ؟ ملخص هذا الحكم . أن أهل الكتاب من