تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
المستقبل . ومن فائدة هذا القول في عهد نزوله . وقبل ظهور تأويله : أن قرعه لسمع من لا يؤمن بالغيب يقتضى أشد التحريض على المعارضة التي يظهر بها العجز ويقوم البرهان . بالاعجاز المقتضى للايمان . لولا مكابرة المستكبرين لوجدانهم . وجحود ألسنتهم لما استيقنته قلوبهم . ( 27 : 14
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا . فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ )
وأما من يؤمن بالغيب ويعتقد الخوارق فما عليه إلا أن ينتهى إلى عجزه ويبادر إلى الايمان به وبرسالة من أنزل عليه . للعلم القطعي بأنه لا يمكن لعاقل أن يجزم بذلك إلا إذا كان مطلعا على الغيب . فهو خبر عن اللّه عز وجل . قال تعالى مخاطبا للفريقين بعد تسجيل العجز عليهم
فَاتَّقُوا النَّارَ
وهي موطن عذاب الآخرة نؤمن بها لأنها من عالم الغيب الذي أخبر اللّه تعالى به ولا نبحث عن حقيقتها . ولا نقول إنها شبيهة بنار الدنيا ولا إنها غير شبيهة بها . وإنما نثبت لها جميع الأوصاف التي وصفها اللّه تعالى بها كقوله
الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
المراد بالحجارة الأصنام كما في قوله تعالى
( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ )
ولا يسبقن إلى الفهم أنها لا توجد إلا بوجود الناس والحجارة إذ يصح أن يكونوا وقودها بعد وجودها . والوقود بالفتح ما توقد به النار . وبالضم مصدر وقد . وسمع المصدر بالفتح أيضا . وقال بعضهم في تفسير « وقودها » إن الناس بأعمالهم وعبادة بعضهم بعضا وانحرافهم عن صراط الحق المستقيم . والحجارة بعبادة الناس لها - سببان في إيجاد النار وإعدادها لهم . فبذلك كانوا كالوقود الذي تضرم به النار . وفي الكلام تقديم السبب ، وهو الناس والحجارة على المسبب ، وهو قوله تعالى
( أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ )
وبهذا التفسير يظهر الحصر في جملة
( وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ )
فإنها اسمية معرفة الطرفين . وخص الحجارة بالذكر لأنها أظهر المعبودات عند العرب والمراد بالكافرين الذين لا يجيبون دعوة الأنبياء عليهم السّلام والذين ينحرفون عن أصولها بعد الأخذ بها لبدع يبتدعونها . وتقاليد يحدثونها .