تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
الآية . ولكن القرآن عبر عن بعض المعاني وبعض القصص بعبارات مختلفة الأسلوب والنظم من مختصر ومطول ، والتحدي بمثله لا يظهر في قصة مخترعة مفتراة بل لا بد من التعدد الذي يظهر فيه التعبير عن المعنى الواحد والقصة الواحدة بأساليب مختلفه وتراكيب متعددة كما نرى في سوره فتحداهم بعشر سور مثله في هدايتها وبلاغتها وأسلوبها واشتمالها على الحكم والعبر والأسوة الحسنة المعينة على التربية والتهذيب كما هو شأن القرآن في قصصه . كأنه يقول أدع لكم ما في سور القصص من الاخبار عن الغيب ، وأتحداكم أنتم وسائر الذين تستطيعون الاستعانة بهم على الاتيان بعشر سور مثل سور القرآن في قصصها ، مع السماح لكم بجعلها قصصا مفتراة من حيث موضوعها ، فان جئتم به مثل سوره القصصية ، في سائر مزاياها اللفظية والمعنوية ، فأنا أعترف لكم بدحض حجتي عليكم وأما اكتفاؤه في سورة يونس بعدها بالتحدى بسورة واحدة في مقام الرد على قولهم « افتراه » فلأنه لم يقيده بكونها مفتراة ، لا من باب التخفيف عليهم بالواحدة بعد عجزهم عن العشر ، فيدخل فيه خبر الغيب والتزام الصدق . فعلم من هذا التفصيل ان التحدي باعجاز القرآن لذاته في جملته والتحدي ببعض أنواع إعجازه في عشر سور مثله وبسورة مثله - كلاهما ثابت في السور المكية قبل نزول آية البقرة وسورتها بعد الهجرة في المدينة المنورة ، ولما كان كفار المدينة الذين يوجه إليهم الاحتجاج أولا وبالذات هم اليهود وهم يعدون اخبار الرسل في القرآن غير دالة على علم الغيب تحداهم بسورة من مثل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أميته ليشمل ذلك وغيره مع بقاء التحدي المطلق بسورة واحدة مثله على إطلاقه غير مقيد بكونه من مثل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وسيأتي بحث وجوه هذا الاعجاز قريبا * * * ثم قال تعالى
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا
الخ أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله ، وتجتثوا دليله من أصله ، وما أنتم بفاعلين ، لان هذا ليس في طاقة المخلوقين ، فاتقوا النار التي أعدت لامثالكم من الكافرين ، الذين يجحدون الحق بعد البرهان المبين ، وقوله تعالى
( وَلَنْ تَفْعَلُوا )
جملة معترضة بين الشرط وجوابه وهي مقصودة هنا في ذاتها لما فيها من تقوية الدليل وتقرير عجزهم بما يثير حميتهم ويغريهم