تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
من مصاقعهم إلى المناهضة ( أقول ) بل تواتر عنهم ما كان « من الاعراض عن المعارضة بأسلات ألسنتهم ، والفزع إلى المقارعة بأسنة أسلهم » « 1 » وسفك دمائهم بأسيافهم ، وتخريب بيوتهم بأيديهم ، أفلم يكن الأجدر بمداره قريش وفحولها . وغرر بني معد وحجولها ، أن يجتمعوا على تأليف سورة ببلاغتهم التي كانوا يتبارون فيها بسوق عكاظ وغيرها من مجامع مفاخراتهم ويؤثروا هذا على سوق الخميس بعد الخميس من صناديدهم إلى يثرب لقتال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ومن آمن به « رض » في بدر وأحد ووراء الخندق لو كان ذلك مستطاعا لهم ؟ ومثل هذا يقال في اليهود الذين كانوا بجواره في المدينة فأمنهم على دينهم وأموالهم وأعراضهم ، فأبوا إلا إعانة مشركي قومه عليه حتى اضطروه إلى قتالهم ، وإخراج بقية السيف من ديارهم . فلا شك أن اللّه تعالى قد رفع هذا الكلام إلى درجة لا يرتقى البشر إليها ، وهو تعالى جده العالم بمبلغ استطاعتهم ، والمالك لأعنة قدرتهم . قال المتكلمون في بلاغة القرآن إننا نجده لم يلتزم شيئا مما كانوا يلتزمون بسجعهم وإرسالهم ، ورجزهم وأشعارهم ، بل جاء على النمط الفطري ، والأسلوب العادي ، الذي يتسنى لكل إنسان أن يحذو مثاله ، ولكنهم عجزوا فلم يأتوا ولن يأتي غيرهم بسورة من مثله ، ثم نلاحظ أيضا أن القرآن بهذا الأسلوب قد تحدى به كل من بلغه من العرب ، على تفرق ديارهم ، وتنائى أقطارهم ، وأرسل الرسول إلى الأطراف يدعو الناس إلى الإيمان به ، فعمت الدعوة وبلغت مبلغها ولم ينبر أحد للمعارضة كما قلنا . ألا يدل هذا على نهاية العجز وعمومه ، وإحساس كل بليغ بالضعف في نفسه عن الانبراء لمباراته ، والتسامى لمحاكاته ، وعلى أن اللّه تعالى جعله فوق القدر ، خارقا لما يعتاد من كسب البشر ؟ بلى ، وإن لهذا الاعجاز وجهين . أحدهما : كونه معجزا بذاته لأنه في مرتبة لا يمكن لبشر أن يرتقى إليها ، وثانيهما : أنه جاء على لسان أمي لبث أربعين سنة لم يوصف بالبلاغه ولم يؤثر عنه شئ من العلم . وقد ذكروا وجوها أخرى للاعجاز ينطوى عليها القرآن . منها قوله هنا
( وَلَنْ تَفْعَلُوا )
بناء على أن المخبر هو اللّه تعالى . عالم الغيب وما يكون في
هامش
( 1 ) هذه الجملة من خطبة أساس البلاغة
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 196 | الشيخ محمد رشيد رضا