وبيان البعت والمآل ، ودار الأبرار ودار الفجار ، والاعتبار بقصص الرسل والأقوام وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام .
يقول قائل : إن أساليب جميع الفصحاء والبلغاء متفاوتة كذلك ، لا يشبه أسلوب منها أسلوبا ، ولا يستويان منظوما ولا منثورا ، فمجرد اختلاف الأسلوب والنظم لا يصح أن يعد معجزا ( وتقول ) من قال هذا فقد أبعد النجعة ، وأوغل في مهامه الغفلة . فمهما تختلف منظومات الشعراء فلن تعدو بحور الشعور المنقولة عن المتقدمين . والتوشيحات والأرجال المعروفة عند المولدين . ومهما تختلف خطب الخطباء والمترسلين من الكتاب . والمؤلفين في العلوم والشرائع والآداب فلن تعدو أنواع الكلام الأربعة التي بدأنا القول بها . ولا يشبه شئ من هذه ولا تلك نظم سورة من سور القرآن ولا أكثرها . ولكل منهم نظم وأسلوب خاص
فإن شئت أن تشعر سمعك وذوقك بالفرق بين نظم الكلام البشرى ونظم الكلام الإلهى فائت بقارئ حسن الصوت يسمعك بعض أشعار المفلقين .
وخطب المصاقع المفوّهين . المتقدمين والمتأخرين . بكل ما يستطيع من نغم وتحسين . ثم ليتل عليك بعد ذلك بعض سور القرآن المختلفة النظم والأسلوب كسورة النجم وسورة القمر وسورة الرحمن وسورة الواقعة وسورة الحديد - مثلا - ثم حكم ذوقك ووجدانك في الفرق بينها في أنفسها . ثم في الفرق بين كل منها وبين كلام البشر في كل أسلوب من أساليب بلغائهم . وتأثير كل من الكلامين في نفسك . بعد اختلاف وقعه في سمعك .
بل تأمل المعنى الواحد من المعاني المكررة في القرآن . لأجل تقريرها في الأنفس ونقشها في الأذهان . كالاعتبار بأحوال أشهر الرسل مع أقوامهم من مختصر ومطول .
وافطن لاختلاف النظم والأساليب فيها . فمن المختصر ما في سور الذاريات والنجم والقمر والفجر . ومن المطول ما في سور الأعراف والشعراء وطه . لعلك إن تدبرت هذا تشعر بالبون الشاسع بين كلام المخلوقين وكلام الخالق . وتحكم بهذا الضرب من الإعجاز حكما ضروريا وجدانيا لا تستطيع أن تدفعه عن نفسك .
وإن عجزت عن بيانه بقولك
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 200
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٢٠٠