بتكلف المعارضة ، ولا يمكن أن يصدر مثل هذا النفي الاستقبالي المؤكد أو المؤبد من عاقل كالنبي عليه الصلاة والسّلام في أمر ممكن عقلا لولا أن أنطقه اللّه الذي خصه بالوحي ، وهو الذي يعلم غيب السماوات والأرض ، بأنه غير ممكن لأحد
وعبر عن نفى وقوع الفعل منهم بأن التي يعبر بها عما يشك في شرطه ، أو يجزم المتكلم بعد وقوعه ، ومقتضى القاعدة أن يكون الشرط هنا بإذا لأن المحقق أنهم لن يفعلوا كما صرحت به الآية مع القطع بأن اللّه تعالى منزه عن الشك .
ولكن القواعد التي تذكر في علم البلاغة قد ينظر فيها إلى حال المخاطب لا حال المتكلم ، والمعول عليه هو ما يقصد المتكلم أن يبلغه من نفس المخاطب ويودعه في ذهنه ، فههنا يخاطب اللّه المرتابين ، والذين هم في جحودهم وعنادهم كالواثقين الموقنين ، خطابا يؤذن أوله بأن عدم الإتيان بما تحداهم به مشكوك فيه ، ولازمه أن المعارضة جائزة منهم ، وداخلة في حدود إمكانهم ، خاطبهم بهذا مراعاة لظاهر حالهم التي تومىء إلى القدرة على المعارضة ، وتشير إلى إمكان الإتيان بالسورة .
ثم كر على هذا الايذان بل الايهام بالنقض بلا تلبث ولا تريث ، وأبطل مراعاة الظاهر بل حولها إلى تهكم ، بالنفي المؤكد الذي ذهب بذلك الذماء ، واستبدل اليأس بالرجاء ، كأنه يقول إن إعراضكم عن الايمان ، بعد سماع هذا القرآن .
الذي أفاض العلوم على أمي لم يترب في معاهد العلم ، وأظهر معجزات البلاغة على من لم تكن يعرف منه التبريز بها في نثر ولا نظم ، يدل على أنكم تدعون استطاعة الاتيان بسورة من مثله وما أنتم بمستطيعين ، ولو استعنتم عليه بجميع العالمين .
( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً )
كان يتحداهم بمثل هذه الآيات الصادعة التي تثير النخوة ، وتهيج الغيرة مع علو كعبهم في البلاغة ورسوخ عرقهم في أساليبها وفنونها ، في عصر ارتقت فيه دولة الكلام ، ارتقاء لم تعرف مثله الأيام ، حتى كانوا يتبارون فيه ويتنافسون .
ويباهون ويفاخرون ، ويعقدون لذلك المجامع ويقيمون الأسواق ، ثم يطيرون باخبارها في الآفاق ، ومع هذا لم يتصد أحد منهم للمعارضة ، ولم ينهض بليغ