تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
ولهذه الخصوصية في الآية قال بعض الواهمين : إن جميع تلك الآيات في منافقى ذلك العصر . وقد مر تفنيده فلا نعيده . على أن هذه الفئة أيضا توجد في كل عصر وزمان ، يكون فيه لأهل الحق قوة وسلطان ، والحكاية عنها بصيغة الماضي الواقع لا تنافى ذلك . لأن « إذا » تدل على المستقبل ، فمعنى الفعل مستقبل ، وإنما اختيرت صيغة الماضي لتوبيخ أولئك الأفراد وإيذانهم بأن بضاعة النفاق والمداجاة ، لا تروج في سوق المؤمنين لأنها مزجاة ، وأن استهزاءهم مردود إليهم ، وو باله عائد عليهم . كان أولئك النفر يدهنون في دينهم ، فإذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا بما أنتم به مؤمنون ،
وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ
من دعاة الفتنة وعمال الإفساد وأنصار الباطل ، الذين يصدون عن سبيل الحق بما يقيمون أمامه من عقبات الوساوس والأوهام ، وما يلقون فيه من أشواك المعايب وتضاريس المذام ، وقال مفسرنا ( الجلال ) إنهم الرؤساء ، والصواب ما قلنا ، وكم من رئيس مغمول ، لما في نفسه من الضعف والخمول ، لا ينصر اعتقاده ، وإن كان معترفا بأن فيه رشاده ، وفي عزته عزه وإسعاده . وكم من مرءوس شديد العزيمة ؛ قوى الشكيمة ، يكون له في نصر ملته ، والمدافعة عن أمته ، ما يعجز عنه الرؤساء ، ولا يأتي على أيدي الأمراء .
وللذبابة في الجرح الممدّ يد * تنال ما قصرت عنه يد الأسد
( قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ )
أي إنا معكم على عقيدتكم وعملكم ، وإنما نستهزىء بالمسلمين ودينهم ، فكشف القرآن عن هذا التلون وهذه الذبذبة ، وقابلهم عليها بما هدم بنيانهم ، وفضح بهتانهم ، فقال
( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ )
* * * أصل الاستهزاء الاستخفاف وعدم العناية بالشئ في النفس ، وإن أظهر المستخف الاستحسان والرضاتهكما . وهذا المعنى محال على اللّه تعالى ، والمحال بذاته يصح إطلاق لازمه ، والمستهزىء بالسان في نحو مدح لعلمه واستحسان لعمله مع اعتقاد قبحه ، غير مبال به ولا معتن بعلمه ولا بعمله ، حيث لم يرجعه عنه ولم يكرهه عليه ، ويلزمه استرسال المستهزأ به في عمله القبيح . فمعنى :
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 163 | الشيخ محمد رشيد رضا