تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3884

مساهمون:

ص٣٨٨٤
وهذه الحقيقة الكبرى ماثلة في كل شيء في هذا الوجود ؛ يشهد بها كل شيء في رحاب الوجود . من الكبير إلى الصغير . ومن الجليل إلى الحقير . . كل شيء مسوى في صنعته ، كامل في خلقته . معد لأداء وظيفته . مقدر له غاية وجوده ، وهو ميسر لتحقيق هذه الغاية من أيسر طريق . . وجميع الأشياء مجتمعة كاملة التناسق ، ميسرة لكي تؤدي في تجمعها دورها الجماعي ؛ مثلما هي ميسرة فرادى لكي تؤدي دورها الفردي . الذرة بمفردها كاملة التناسق بين كهاربها وبروتوناتها وإلكتروناتها ، شأنها شأن المجموعة الشمسية في تناسق شمسها وكواكبها وتوابعها . . وهي تعرف طريقها وتؤدي مثلها وظيفتها . . والخلية الحية المفردة كاملة الخلقة والاستعداد لأداء وظائفها كلها ، شأنها شأن أرقى الخلائق الحية المركبة المعقدة . وبين الذرة المفردة والمجموعة الشمسية ؛ كما بين الخلية الواحدة وأرقى الكائنات الحية ، درجات من التنظيمات والتركيبات كلها في مثل هذا الكمال الخلقي ، وفي مثل هذا التناسق الجماعي ، وفي مثل هذا التدبير والتقدير الذي يحكمها ويصرفها . . والكون كله هو الشاهد الحاضر على هذه الحقيقة العميقة . . هذه الحقيقة يدركها القلب البشري جملة حين يتلقى إيقاعات هذا الوجود ؛ وحين يتدبر الأشياء في رحابه بحس مفتوح . وهذا الإدراك الإلهامي لا يستعصي على أي إنسان في أية بيئة ، وعلى أية درجة من درجات العلم الكسبي ، متى تفتحت منافذ القلب ، وتيقظت أوتاره لتلقي إيقاعات الوجود . والملاحظة بعد ذلك والعلم الكسبي يوضحان بالأمثلة الفردية ما يدركه الإلهام بالنظرة الأولى . . وهناك من رصيد الملاحظة والدراسة ما يشير إلى طرف من تلك الحقيقة الشاملة لكل ما في الوجود . يقول العالم ( ا . كريسي موريسون ) رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك في كتابه : « الإنسان لا يقوم وحده « 1 » » « إن الطيور لها غريزة العودة إلى الموطن . فعصفور الهزاز الذي عشش ببابك يهاجر جنوبا في الخريف . ولكنه يعود إلى عشه في الربيع التالي . وفي شهر سبتمبر تطير أسراب من معظم طيورنا « 2 » إلى الجنوب . وقد تقطع في الغالب نحو ألف ميل فوق أرض البحار . ولكنها لا تضل طريقها . وحمام الزاجل إذا تحير من جراء أصوات جديدة عليه في رحلة طويلة داخل قفص ، يحوم برهة ثم يقصد قدما إلى موطنه دون أن يضل . . والنحلة تجد خليتها مهما طمست الريح ، في هبوبها على الأعشاب والأشجار ، كل دليل يرى . وحاسة العودة إلى الوطن هذه هي ضعيفة في الإنسان ، ولكنه يكمل عتاده القليل منها بأدوات الملاحة . ونحن في حاجة إلى هذه الغريزة ، وعقولنا تسد هذه الحاجة . ولا بد أن للحشرات الدقيقة عيونا ميكروسكوبية ( مكبرة ) لا ندري مبلغها من الإحكام ؛ وأن للصقور بصرا تلسكوبيا ( مكبرا مقربا » . وهنا أيضا يتفوق الإنسان بأدواته الميكانيكية فهو بتلسكوبه يبصر سديما بلغ من الضعف أنه يحتاج إلى مضاعفة قوة إبصاره مليوني مرة ليراه . وهو بمكروسكوبه الكهربائي يستطيع أن يرى بكتريا كانت غير مرئية ( بل كذلك الحشرات الصغيرة التي تعضها ! ) . « وأنت إذا تركت حصانك العجوز وحده ، فإنه يلزم الطريق مهما اشتدت ظلمة الليل . وهو يقدر أن يرى ولو في غير وضوح . ولكنه يلحظ اختلاف درجة الحرارة في الطريق وجانبيه ، بعينين تأثرتا قليلا بالأشعة تحت الحمراء التي للطريق . والبومة تستطيع أن تبصر الفأر الدافئ اللطيف وهو يجري على العشب البارد مهما
هامش
( 1 ) ترجمة الأستاذ محمود صالح الفلكي بعنوان : العلم يدعو إلى الإيمان . ( 2 ) أي طيور أمريكا .
في ظلال القرآن — صفحة 3884 | سيد قطب