معه من القلة المؤمنة في مكة يعانون من كيد المشركين ومؤامراتهم على الدعوة والمؤمنين بها - وقد كانوا في هم مقعد مقيم للكيد لها والتدبير ضدها وأخذ الطرق عليها وابتكار الوسائل في حربها - يتجه الخطاب إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بالتثبيت والتطمين ، وبالتهوين من أمر الكيد والكائدين . وأنه إلى حين . وأن المعركة بيده هو - سبحانه - وقيادته . فليصبر الرسول وليطمئن هو والمؤمنون :
« إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ، وَأَكِيدُ كَيْداً ، فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ ، أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً »
. .
إنهم - هؤلاء الذين خلقوا من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب - بلا حول ولا قوة ولا قدرة ولا إرادة ، ولا معرفة ولا هداية . والذين تولتهم يد القدرة في رحلتهم الطويلة . والذين هم صائرون إلى رجعة تبلى فيها السرائر ، حيث لا قوة لهم ولا ناصر . . إنهم هؤلاء يكيدون كيدا . .
وأنا - أنا المنشئ . . الهادي . الحافظ . الموجه . المعيد . المبتلي . القادر . القاهر . خالق السماء والطارق .
وخالق الماء الدافق ، والإنسان الناطق ، وخالق السماء ذات الرجع ، والأرض ذات الصدع . . أنا اللّه . .
أكيد كيدا . .
فهذا كيد . وهذا كيد . وهذه هي المعركة . . ذات طرف واحد في الحقيقة . . وإن صورت ذات طرفين لمجرد السخرية والهزء !
« فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ »
. .
« أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً »
. . لا تعجل . ولا تستبطئ نهاية المعركة . وقد رأيت طبيعتها وحقيقتها . .
فإنما هي الحكمة وراء الإمهال . الإمهال قليلا . . وهو قليل حتى لو استغرق عمر الحياة الدنيا . فما هو عمر الحياة الدنيا إلى جانب تلك الآباد المجهولة المدى ؟
ونلحظ في التعبير الإيناس الإلهي للرسول :
« فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً »
. . كأنه هو - صلى اللّه عليه وسلم - صاحب الأمر ، وصاحب الإذن ، وكأنه هو الذي يأذن بإمهالهم . أو يوافق على إمهالهم . وليس من هذا كله شيء للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - إنما هو الإيناس والود في هذا الموضع الذي تنسم نسائم الرحمة على قلبه - صلى اللّه عليه وسلم - الإيناس الذي يخلط بين رغبة نفسه وإرادة ربه . ويشركه في الأمر كأن له فيه شيئا . ويرفع الفوارق والحواجز بينه وبين الساحة الإلهية التي يقضي فيها الأمر ويبرم . . وكأنما يقول له ربه : إنك مأذون فيهم . ولكن أمهلهم . أمهلهم رويدا . . فهو الود العطوف والإيناس اللطيف . يمسح على الكرب والشدة والعناء والكيد ، فتنمحي كلها وتذوب . . ويبقى العطف الودود . .