تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3886

مساهمون:

ص٣٨٨٦
إلى الشاطئ الذي جاءت منه أمهاتها . ومن ثم إلى كل نهر أو بحيرة أو بركة صغيرة . ولذا يظل كل جسم من الماء آهلا بثعابين البحار . لقد قاومت التيارات القوية ، وثبتت للأمداد والعواصف ، وغالبت الأمواج المتلاطمة على كل شاطئ . وهي الآن يتاح لها النمو . حتى إذا اكتمل نموها دفعها قانون خفي إلى الرجوع حيث كانت بعد أن تتم الرحلة كلها . فمن أين ينشأ الحافز الذي يوجهها لذلك ؟ لم يحدث قط أن صيد ثعبان ماء أمريكي في المياه الأوربية ، أو صيد ثعبان ماء أوربي في المياه الأمريكية . والطبيعة تبطئ في إنما ثعبان الماء الأوروبي مدة سنة أو أكثر لتعوض من زيادة مسافة الرحلة التي يقطعها ( إذ أن مسافته أطول من مسافة زميله الأمريكي ) ترى هل الذرات والهباءات إذا توحدت معا في ثعبان ماء يكون لها حاسة التوجيه وقوة الإرادة اللازمة للتنفيذ ؟ ! . . . « وإذا حمل الريح فراشة أنثى من خلال نافذة إلى علية بيتك ، فإنها لا تلبث حتى ترسل إشارة خفية . وقد يكون الذكر على مسافة بعيدة . ولكنه يتلقى هذه الإشارة ويجاوبها ، مهما أحدثت أنت من رائحة بعملك لتضليلهما . ترى هل لتلك المخلوقة الضئيلة محطة إذاعة ؟ وهل لذكر الفراشة جهاز راديو عقلي ، فضلا عن السلك اللاقط للصوت ( إيريال ) ؟ أتراها تهز الأثير فهو يتلقى الاهتزاز ؟ ! . . . « إن التليفون والراديو هما من العجائب الآلية . وهما يتيحان لنا الاتصال السريع . ولكنا مرتبطون في شأنهما بسلك ومكان . وعلى ذلك لا تزال الفراشة متفوقة علينا من هذه الوجهة » . « والنبات يتحايل على استخدام وكلاء لمواصلة وجوده دون رغبة من جانبهم ! كالحشرات التي تحمل اللقح من زهرة إلى أخرى ، والرياح ، وكل شيء يطير أو يمشي ، ليوزع بذوره . وأخيرا أوقع النبات الإنسان ذا السيادة في الفخ ! فقد حسن الطبيعة وجازته بسخاء . غير أنه شديد التكاثر ؛ حتى أصبح مقيدا بالمحراث ، وعليه أن يبذر ويحصد ويخزن ، وعليه أن يربي ويهجن ، وأن يشذب ويطعم . وإذا هو أغفل هذه الأعمال كانت المجاعة نصيبه ، وتدهورت المدنية ، وعادت الأرض إلى حالتها الفطرية ! » . . « وكثير من الحيوانات هي مثل « سرطان البحر » الذي إذا فقد مخلبا عرف أن جزءا من جسمه قد ضاع ، وسارع إلى تعويضه بإعادة تنشيط الخلايا وعوامل الوراثة ؛ ومتى تم ذلك كفت الخلايا عن العمل ، لأنها تعرف بطريقة ما أن وقت الراحة قد حان ! « وكثير الأرجل المائي إذا انقسم إلى قسمين استطاع أن يصلح نفسه عن طريق أحد هذين النصفين . وأنت إذا قطعت رأس دودة الطعم تسارع إلى صنع رأس بدلا منه . ونحن نستطيع أن ننشط التئام الجروح ، ولكن متى يتاح للجراحين أن يعرفوا كيف يحركون الخلايا لتنتج ذراعا جديدة ، أو لحما أو عظاما أو أظافر أو أعصابا ؟ - إذا كان ذلك في حيز الإمكان ؟ ! « وهناك حقيقة مدهشة تلقي بعض الضوء على لغز هذا الخلق من جديد : فإن الخلايا في المراحل الأولى من تطورها ، إذا تفرقت ، صار لكل منها القدرة على خلق حيوان كامل . ومن ثم فإنه إذا انقسمت الخلية الأولى إلى قسمين ، وتفرق هذان ، تطور منهما فردان . وقد يكون في ذلك تفسير لتشابه التوأمين . ولكنه يدل على أكثر من ذلك . وهو أن كل خلية في البداءة يمكن أن تكون فردا كاملا بالتفصيل . فليس هناك شك إذن ، في أنك أنت ، في كل خلية ونسيج ! » . . ويقول في فصل آخر : « إن جوزة البلوط تسقط على الأرض ، فتحفظها قشرتها السمراء الجامدة ، وتتدحرج في حفرة ما من الأرض ،
في ظلال القرآن — صفحة 3886 | سيد قطب