تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3883

مساهمون:

ص٣٨٨٣
الرب الخالق وإثبات الوحي الإلهي ، وتقرير الجزاء في الآخرة . وهي مقومات العقيدة الأولى . ثم تصل هذه العقيدة بأصولها البعيدة ، وجذورها الضاربة في شعاب الزمان :
« إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى . صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى »
. . فوق ما تصوره من طبيعة هذه العقيدة ، وطبيعة الرسول الذي يبلغها والأمة التي تحملها . . طبيعة اليسر والسماحة . . وكل واحدة من هذه تحتها موحيات شتى ؛ ووراءها مجالات بعيدة المدى . .
« سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى . الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى . وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى . فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى »
. . إن هذا الافتتاح ، بهذا المطلع الرخي المديد ، ليطلق في الجو ابتداء أصداء التسبيح ، إلى جانب معنى التسبيح . وإن هذه الصفات التي تلي الأمر بالتسبيح :
« الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى . وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى . فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى »
. . لتحيل الوجود كله معبدا يتجاوب جنباته بتلك الأصداء ؛ ومعرضا تتجلى فيه آثار الصانع المبدع :
« الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى »
. . والتسبيح هو التمجيد والتنزيه واستحضار معاني الصفات الحسنى للّه ، والحياة بين إشعاعاتها وفيوضاتها وإشراقاتها ومذاقاتها الوجدانية بالقلب والشعور . وليست هي مجرد ترديد لفظ : سبحان اللّه ! . . و
« سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى »
. . تطلق في الوجدان معنى وحالة يصعب تحديدها باللفظ ، ولكنها تتذوق بالوجدان . وتوحي بالحياة مع الإشراقات المنبثقة من استحضار معاني الصفات . والصفة الأولى القريبة في هذا النص هي صفة الرب . وصفة الأعلى . . والرب : المربي والراعي ، وظلال هذه الصفة الحانية مما يتناسق مع جو السورة وبشرياتها وإيقاعاتها الرخية . . وصفة الأعلى تطلق التطلع إلى الآفاق التي لا تتناهى ؛ وتطلق الروح لتسبح وتسبح إلى غير مدى . . وتتناسق مع التمجيد والتنزيه ، وهو في صميمه الشعور بصفة الأعلى . . والخطاب هنا لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ابتداء . وهذا الأمر صادر إليه من ربه . بهذه الصيغة :
« سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى »
. . وفيه من التلطف والإيناس ما يجل عن التعبير . وقد كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقرأ هذا الأمر ، ثم يعقب عليه بالاستجابة المباشرة ، قبل أن يمضي في آيات السورة ، يقول : « سبحان ربي الأعلى » . . فهو خطاب ورده . وأمر وطاعته . وإيناس ومجاوبته . . إنه في حضرة ربه ، يتلقى مباشرة ويستجيب . في أنس وفي اتصال قريب . . وحينما نزلت هذه الآية قال : « اجعلوها في سجودكم » . وحينما نزلت قبلا :
« فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ » *
. . قال : « اجعلوها في ركوعكم » . . فهذا التسبيح في الركوع والسجود كلمة حية ألحقت بالصلاة وهي دافئة بالحياة . لتكون استجابة مباشرة لأمر مباشر . أو بتعبير أدق . . لإذن مباشر . . فإذن اللّه لعباده بأن يحمدوه ويسبحوه إحدى نعمه عليهم وأفضاله . إنه إذن بالاتصال به - سبحانه - في صورة مقربة إلى مدارك البشر المحدودة . صورة تفضل اللّه عليهم بها ليعرفهم ذاته . في صفاته . في الحدود التي يملكون أن يتطلعوا إليها . وكل إذن للعباد بالاتصال باللّه في أية صورة من صور الاتصال ، هو مكرمة له وفضل على العباد .
« سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى »
. .
« الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى »
. . الذي خلق كل شيء فسواه ، فأكمل صنعته ، وبلغ به غاية الكمال الذي يناسبه . . والذي قدر لكل مخلوق وظيفته وغايته فهداه إلى ما خلقه لأجله ، وألهمه غاية وجوده ؛ وقدر له ما يصلحه مدة بقائه ، وهداه إليه أيضا . .
في ظلال القرآن — صفحة 3883 | سيد قطب