تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3097

مساهمون:

ص٣٠٩٧
بهذه المهانة كما تسحب الأنعام والوحوش ! وعلام التكريم ؟ وقد خلعوا عن أنفسهم شارة التكريم ؟ ! وبعد السحب والجر في هذا العذاب وفي هذه المهانة ، ينتهي بهم المطاف إلى ماء حار وإلى نار :
« فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ »
. . أي يربطون ويحبسون ، على طريقة سجر الكلاب . أي يملأ لهم المكان ماء حارا ونارا موقدة . وإلى هذا ينتهون . وبينما هم في هذا العذاب المهين يوجه إليهم التبكيت والترذيل والإحراج والإعنات :
« ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ : أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ »
. . فيجيبون إجابة المخدوع الذي انكشفت له خدعته ، وهو يائس حسير .
« قالُوا : ضَلُّوا عَنَّا . بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً »
. . غابوا عنا فلم نعد نعرف لهم طريقا ، وما عادوا يعرفون لنا طريقا . بل لم نكن ندعو من قبل شيئا . فقد كانت كلها أوهاما وأضاليل ! وعلى إثر الجواب البائس يجيء التعقيب العام :
« كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ »
. . ثم يوجه إليهم التأنيب الأخير :
« ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ . ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ »
. . يا مغيث ! وأين إذن كان السحب في السلاسل والأغلال ، وكان الماء الحار والنار ؟ يبدو أنها كانت مقدمة للدخول في جهنم للخلود . .
« فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ »
. . فعن الكبر نشأت هذه المهانة . وجزاء على الكبر كان هذا التحقير ! وأمام هذا المشهد . مشهد الذل والمهانة والعذاب الرعيب . وعاقبة الجدال في آيات اللّه ، والكبر النافخ في الصدور . . أمام هذا المشهد وهذه العاقبة يتجه السياق إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يوصيه بالصبر على ما يجده من كبر ومن جدال ، والثقة بوعد اللّه الحق على كل حال . سواء أراه اللّه بعض الذي يعدهم في حياته ، أو قبضه إليه وتولى الأمر عنه . فالقضية كلها راجعة إلى اللّه ، وليس على الرسول إلا البلاغ ، وهم إليه راجعون :
« فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ . فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ »
. . وهنا نقف أمام لفتة تستحق التدبر العميق . إن هذا الرسول الذي يلاقي ما يلاقي من الأذى والتكذيب والكبر والكنود ، يقال له ما مفهومه : أد واجبك وقف عنده . فأما النتائج فليست من أمرك . حتى شفاء صدره بأن يشهد تحقق بعض وعيد اللّه للمتكبرين المكذبين ليس له أن يعلق به قلبه ! إنه يعمل وكفى . يؤدي واجبه ويمضي . فالأمر ليس أمره . والقضية ليست قضيته . إن الأمر كله للّه . واللّه يفعل به ما يريد . يا للّه ! يا للمرتقى العالي . ويا للأدب الكامل . الذي يأخذ اللّه به أصحاب هذه الدعوة . في شخص رسوله الكريم .
في ظلال القرآن — صفحة 3097 | سيد قطب