إن قصة هذا الأمر قصة طويلة وقديمة ، ولم تبدأ برسالة الإسلام ورسوله - عليه الصلاة والسّلام - فقبله كانت رسل . قص اللّه بعضهم عليه وبعضهم لم يقصصهم عليه . وكلهم ووجهوا بالتكذيب والاستكبار . وكلهم طولب بالآيات والخوارق . وكلهم تمنى لو يأتي اللّه بخارقة يذعن لها المكذبون . ولكن ما من آية إلا بإذن اللّه ، في الوقت الذي يريده اللّه . فهي دعوته ، وهو يصرفها كيف يشاء .
على أن آيات اللّه مبثوثة في الكون ، معروضة للأنظار في كل زمان ومكان . يتحدث منها هنا عن الأنعام ، والفلك ، ويشير إشارة عامة إلى سائرها الذي لا يملك إنكاره أحد .
ويختم السورة بلمسة قوية عن مصارع الغابرين ، الذين وقفوا موقف المكذبين ، وغرهم ما كانوا فيه من القوة والعمارة والعلم . ثم أدركتهم سنة اللّه :
« فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا ، سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ ، وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ »
. .
وبهذا الإيقاع تختم السورة التي دارت كلها على المعركة بين الحق والباطل ، والإيمان والكفر ، والصلاح والطغيان حتى ختمت هذا الختام الأخير . .
« وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ ، مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ؛ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ، فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ ، وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ »
. .
إن لهذا الأمر سوابق كثيرة ، قص اللّه على رسوله بعضها في هذا الكتاب ، وبعضها لم يقصصه . وفيما قصه من أمر الرسل ما يشير إلى الطريق الطويل الواصل الواضح المعالم ؛ وما يقرر السنة الماضية الجارية التي لا تتخلف ؛ وما يوضح حقيقة الرسالة ووظيفة الرسل وحدودها أدق إيضاح .
وتؤكد الآية حقيقة تحتاج إلى توكيدها في النفس ، وتتكئ عليها لتقررها تقريرا شديدا :
« وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ »
. .
فالنفس البشرية - ولو كانت نفس رسول - تتمنى وترغب أن تستعلي الدعوة وأن يذعن لها المكابرون سريعا .
فتتطلع إلى ظهور الآية الخارقة التي تقهر كل مكابرة . ولكن اللّه يريد أن يلوذ عباده المختارون بالصبر المطلق ؛ ويروضوا أنفسهم عليه ؛ فيبين لهم أن ليس لهم من الأمر شيء ، وأن وظيفتهم تنتهي عند حد البلاغ ، وأن مجيء الآية هو الذي يتولاه حينما يريد . لتطمئن قلوبهم وتهدأ وتستقر ؛ ويرضوا بكل ما يتم على أيديهم ويدعوا الأمر كله بعد ذلك للّه .
ويريد كذلك أن يدرك الناس طبيعة الألوهية وطبيعة النبوة ، ويعرفوا أن الرسل بشر منهم ، اختارهم اللّه ، وحدد لهم وظيفتهم ، وما هم بقادرين ولا محاولين أن يتجاوزوا حدود هذه الوظيفة . .
كذلك ليعلم الناس أن تأخير الآيات رحمة بهم ؛ فقد قضى في تقديره بأن يدمر على المكذبين بعد ظهور الآيات . وإذن فهي مهلة ، وهي من اللّه رحمة :
« فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ »
. .
ولم يعد هناك مجال لعمل ولا لتوبة ولا لرجعة بعد قضاء اللّه الأخير .
ثم يوجه طلاب الخوارق إلى آيات اللّه الحاضرة التي ينسون وجودها بطول الألفة . وهي لو تدبروها بعض