ومن ثم . .
« فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ »
. . واحمدوه في الدعاء :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »
. .
وأمام هذه الآيات والهبات ، وما تلاها من تعقيبات ، وفي أشد اللحظات امتلاء بحقيقة الوحدانية ، وحقيقة الألوهية . وحقيقة الربوبية . يجيء التلقين لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ليعلن للقوم أنه منهي عن عبادة ما يدعون من دون اللّه ، مأمور بالإسلام للّه رب العالمين :
« قُلْ : إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي ، وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ »
. .
أعلن لهؤلاء الذين يصرفون عن آيات اللّه ويجحدون هباته ، أنك نهيت عن عبادة ما يدعون من دون اللّه .
وقل لهم : إنني نهيت وانتهيت
« لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي »
فعندي بينة ، وأنا بها مؤمن ، ومن حق هذه البينة أن أقتنع بها وأصدق ، ثم أعلن كلمة الحق . . ومع الانتهاء عن عبادة غير اللّه - وهو سلب - الإسلام لرب العالمين - وهو إيجاب - ومن الشقين تتكامل العقيدة .
ثم يستعرض آية من آيات اللّه في أنفسهم بعد ما استعرض آياته في الآفاق . هي آية الحياة الإنسانية وأطوارها العجيبة ؛ وليتخذ من هذه الحياة مقدمة لتقرير حقيقة الحياة كلها بين يدي اللّه :
« هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ، ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ، ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ ، وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى ، وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ، فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ : كُنْ . فَيَكُونُ »
. .
وهذه النشأة الإنسانية فيها ما لم يدركه علم الإنسان ، لأنه كان قبل وجود الإنسان . وفيها ما يشاهده ويراقبه .
ولكن هذا إنما تم حديثا بعد نزول هذا القرآن بقرون ! فخلق الإنسان من تراب حقيقة سابقة على وجود الإنسان . والتراب أصل الحياة كلها على وجه هذه الأرض .
ومنها الحياة الإنسانية . ولا يعلم إلا اللّه كيف تمت هذه الخارقة ، ولا كيف تم هذا الحادث الضخم في تاريخ الأرض وتاريخ الحياة . وأما تكاثر الإنسان بعد ذلك عن طريق التزاوج فيتم عن طريق التقاء خلية التذكير وهي النطفة بالبويضة ، واتحادهما ، واستقرارهما في الرحم في صورة علقة . . وفي نهاية المرحلة الجنينية يخرج الطفل بعد عدة تطورات كبرى في طبيعة الخلية الأولى ، تعد إذا نحن نظرنا إليها بتدبر أطول وأكبر من الأطوار التي يمر بها الطفل من ولادته إلى أن ينتهي أجله ، والتي يقف السياق عند بعض مراحلها البارزة : مرحلة الطفولة .
ثم بلوغ الأشد حوالي الثلاثين . ثم الشيخوخة . وهي المراحل التي تمثل أقصى القوة بين طرفين من الضعف .
« وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ »
أن يبلغ هذه المراحل جميعا أو بعضها .
« وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى »
مقدرا معلوما لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون .
« وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ »
. . فمتابعة رحلة الجنين . ورحلة الوليد . وتدبر ما تشيران إليه من حسن الخلق والتقدير ، مما للعقل فيه دور كبير . .
ورحلة الجنين رحلة عجيبة ممتعة حقا . وقد عرفنا الكثير عنها بعد تقدم الطب وعلم الأجنة بشكل خاص .
ولكن إشارة القرآن إليها بهذه الدقة منذ حوالي أربعة عشر قرنا أمر يستوقف النظر . ولا يمكن أن يمر عليه عاقل دون أن يقف أمامه يتدبره ويفكر فيه .
ورحلة الجنين ورحلة الطفل كلتاهما توقع على الحس البشري وتلمس القلب الإنساني في أي بيئة وفي أي