« وَالنَّهارَ مُبْصِراً »
. . والتعبير على هذا النحو تعبير مصور مشخص . وكأنما النهار حي يبصر ويرى . وإنما الناس هم الذين يبصرون فيه . لأن هذه هي الصفة الغالبة . .
وتقلب الليل والنهار على هذا النحو نعمة في طيها نعم . ولو كان أحدهما سرمدا . بل لو كان أطول مما هو مرات معدودة لانعدمت الحياة . فلا عجب أن يقرن توالي الليل والنهار بذكر الفضل الذي لا يشكره أكثر الناس :
« إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ »
. .
ويعقب على هاتين الظاهرتين الكونيتين ، بأن الذي خلقهما هو الذي يكون إلها يستحق هذا الاسم العظيم :
« ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ؟ »
. .
وإنه لعجيب يستحق التعجيب أن يرى الناس يد اللّه في كل شيء ، ويعلموا أنه الخالق لكل شيء معرفة حتمية مفروضة على العقل فرضا بحكم وجود الأشياء ، واستحالة ادعاء أحد أنها من خلقه ، وعدم استقامة القول بأنها وجدت من غير موجد . عجيب يستحق التعجيب أن يكون هذا كله ، ثم يصرف الناس عن الإيمان والإقرار . .
« فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ؟ »
. .
ولكنه هكذا يصرف ناس عن هذا الحق الواضح . هكذا كما يقع من المخاطبين الأولين بالقرآن . كذلك كان في كل زمان ؛ بلا سبب ولا حجة ولا برهان :
« كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ »
. .
وينتقل من ظاهرتي الليل والنهار ، إلى تصميم الأرض لتكون قرارا ، والسماء لتكون بناء :
« اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً »
. .
والأرض قرار صالح لحياة الإنسان بتلك الموافقات الكثيرة التي أشرنا إلى بعضها إجمالا . والسماء بناء ثابت النسب والأبعاد والحركات والدورات ومن ثم تضمن الاستقرار والثبات لحياة هذا الإنسان ، المحسوب حسابها في تصميم هذا الوجود ، المقدرة في بنائه تقديرا . .
ويربط بتكوين السماء والأرض تكوين الإنسان ورزقه من الطيبات على النحو الذي أشرنا إلى بعض أسراره :
« وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ »
. .
ويعقب على هذه الآيات والهبات كما عقب على الأولى :
« ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ . فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ »
. .
ذلكم الذي يخلق ويقدر ويدبر ، ويراعيكم ويقدر لكم مكانا في ملكه . . ذلكم اللّه ربكم .
« فَتَبارَكَ اللَّهُ »
. . وعظمت بركته وتضاعفت .
« رَبُّ الْعالَمِينَ »
. . أجمعين .
« هُوَ الْحَيُّ »
. .
أجل . هو وحده الحي . الحي حياة ذاتية غير مكسوبة ولا مخلوقة . وغير مبتدئة ولا منتهية . وغير حائلة ولا زائلة . وغير متقلبة ولا متغيرة . وما من شيء له هذه الصفة من الحياة . سبحانه هو المتفرد بالحياة .
وهو المتفرد بالألوهية . بما أنه المتفرد بالحياة . فالحي الواحد هو اللّه :
« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
. .