تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3100

مساهمون:

ص٣١٠٠
هذه الخوارق التي يطلبون ؛ وهي شاهدة كذلك بالألوهية ؛ لبطلان أي ادعاء بأن أحدا غير اللّه خلقها ، وأي ادعاء كذلك بأنها خلقت بلا خالق مدبر مريد :
« اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها ، وَمِنْها تَأْكُلُونَ . وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ ، وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ ، وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ . وَيُرِيكُمْ آياتِهِ ، فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ؟ »
. . وخلق هذه الأنعام ابتداء آية خارقة كخلق الإنسان . فبث الحياة فيها وتركيبها وتصويرها كلها خوارق ، لا يتطاول الإنسان إلى ادعائها ! وتذليل هذه الأنعام وتسخيرها للإنسان ، وفيها ما هو أضخم منه جسما وأشد منه قوة ، وهو جعلها :
« اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها ، وَمِنْها تَأْكُلُونَ . . »
. وهذه لا يستحق الاحترام أن يقول قائل : إنها هكذا وجدت والسّلام ! وإنها ليست خارقة معجزة بالقياس إلى الإنسان ! وإنها لا تدل على الخالق الذي أنشأها وسخرها بما أودعها من خصائص وأودع الإنسان ! ومنطق الفطرة يقر بغير هذا الجدال والمراء . ويذكرهم بما في هذه الآيات الخوارق من نعم كبار :
« لِتَرْكَبُوا مِنْها ، وَمِنْها تَأْكُلُونَ »
،
« وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ . وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ »
. . والحاجات التي كانت في الصدور والتي كانوا يبلغونها على الأنعام هي حاجات ضخمة في ذلك الزمان . قبل نشوء كل وسائل النقل والسفر والاتصال إلا على هذه الأنعام . وما تزال هناك حاجات تبلغ على هذه الأنعام حتى اليوم وغد . وهناك حتى اللحظة أسفار في بعض الجبال لا تبلغها إلا الأنعام مع وجود القطار والسيارة والطيارة ، لأنها مجازات ضيقة لا تتسع لغير أقدام الأنعام !
« وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ »
. . وهذه كتلك آية من آيات اللّه . ونعمة من نعمه على الإنسان . وسير الفلك على الماء قائم على نواميس وموافقات في تصميم هذا الكون : سمائه وأرضه . يابسه ومائه . وفي طبيعة أشيائه وعناصره . لا بد أن توجد حتى يمكن أن يسير الفلك على الماء . سواء سار بالشراع أم بالبخار أم بالذرة ، أم بغيرها من القوى التي أودعها اللّه هذا الكون ، ويسر استخدامها للإنسان . . ومن ثم تذكر في معرض آيات اللّه ، وفي معرض نعمه على السواء . وكم هنالك من آيات من هذا النوع الحاضر المتناثر في الكون ، لا يملك إنسان أن ينكره وهو جاد :
« وَيُرِيكُمْ آياتِهِ . فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ؟ »
نعم إن هنالك من ينكر . وهنالك من يجادل في آيات اللّه . وهنالك من يجادل بالباطل ليدحض به الحق . ولكن أحدا من هؤلاء لا يجادل إلا عن التواء ، أو غرض ، أو كبر ، أو مغالطة ، لغاية أخرى غير الحقيقة . هنالك من يجادل لأنه طاغية كفرعون وأمثاله ، يخشى على ملكه ، ويخشى على عرشه ، لأن هذا العرش يقوم على أساطير يذهب بها الحق ، الذي يثبت بثبوت حقيقة الألوهية الواحدة ! وهنالك من يجادل لأنه صاحب مذهب في الحكم كالشيوعية يتحطم إذا ثبتت حقيقة العقيدة السماوية في نفوس البشر . لأنه يريد أن يلصق الناس بالأرض ؛ وأن يعلق قلوبهم بمعداتهم وشهوات أجسادهم ؛ وأن يفرغها من عبادة اللّه لتعبد المذهب أو تعبد الزعيم ! وهنالك من يجادل لأنه ابتلي بسيطرة رجال الدين - كما وقع في تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى - ومن ثم فهو يريد الخلاص من هذه السيطرة . فيشتط فيرد على الكنيسة إلهها ، الذي تستعبد باسمه الناس !