تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3065

مساهمون:

ص٣٠٦٥
هذه السورة تعالج قضية الحق والباطل . قضية الإيمان والكفر . قضية الدعوة والتكذيب وأخيرا قضية العلو في الأرض والتجبر بغير الحق ، وبأس اللّه الذي يأخذ العالين المتجبرين . . وفي ثنايا هذه القضية تلم بموقف المؤمنين المهتدين الطائعين ونصر اللّه إياهم ، واستغفار الملائكة لهم ، واستجابة اللّه لدعائهم ، وما ينتظرهم في الآخرة من نعيم . وجو السورة كله - من ثم - كأنه جو معركة . وهي المعركة بين الحق والباطل ، وبين الإيمان والطغيان ، وبين المتكبرين المتجبرين في الأرض وبأس اللّه الذي يأخذهم بالدمار والتنكيل . تنسم خلال هذا الجو نسمات الرحمة والرضوان حين يجيء ذكر المؤمنين ! ذلك الجو يتمثل في عرض مصارع الغابرين ، كما يتمثل في عرض مشاهد القيامة - وهذه وتلك تتناثر في سياق السورة وتتكرر بشكل ظاهر - وتعرض في صورها العنيفة المرهوبة المخيفة متناسقة مع جو السورة كله ، مشتركة في طبع هذا الجو بطابع العنف والشدة . ولعله مما يتفق مع هذه السمة افتتاح السورة بإيقاعات ذات رنين خاص :
« غافِرِ الذَّنْبِ . وَقابِلِ التَّوْبِ . شَدِيدِ الْعِقابِ . ذِي الطَّوْلِ . لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . إِلَيْهِ الْمَصِيرُ »
. . فكأنما هي مطارق منتظمة الجرس ثابتة الوقع ، مستقرة المقاطع ، ومعانيها كذلك مساندة لإيقاعها الموسيقي ! كذلك نجد كلمة البأس . وبأس اللّه . وبأسنا . . مكررة تتردد في مواضع متفرقة من السورة . وهناك غيرها من ألفاظ الشدة والعنف بلفظها أو بمعناها . وعلى العموم فإن السورة كلها تبدو وكأنها مقارع ومطارق تقع على القلب البشري وتؤثر فيه بعنف وهي تعرض مشاهد القيامة ومصارع الغابرين . وقد ترق أحيانا فتتحول إلى لمسات وإيقاعات تمس هذا القلب برفق ، وهي تعرض حملة العرش ومن حوله يدعون ربهم ليتكرم على عباده المؤمنين ، أو وهي تعرض عليه الآيات الكونية والآيات الكامنة في النفس البشرية .