تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3068

مساهمون:

ص٣٠٦٨
آيات قائمة ، وبين أيديهم آيات قريبة ؛ ولكنهم يغفلون عن تدبرها . . هذه الأنعام المسخرة لهم . من سخرها ؟ . وهذه الفلك التي تحملهم أليست آية يرونها ! ومصارع الغابرين ألا تثير في قلوبهم العظة والتقوى ؟ ويختم السورة بإيقاع قوي على مصرع من مصارع المكذبين ، وهم يرون بأس اللّه فيؤمنون ؛
« فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا . سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ ، وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ »
. . هذا الختام الذي يصور نهاية المتكبرين ، ويتفق مع جو السورة وظلها وطابعها الأصيل . فلنسر الآن مع سياق السورة بالتفصيل . .
« حم . تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . غافِرِ الذَّنْبِ ، وَقابِلِ التَّوْبِ ، شَدِيدِ الْعِقابِ ، ذِي الطَّوْلِ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، إِلَيْهِ الْمَصِيرُ »
. . هذه السورة بدء سبع سور كلها تبدأ بالحرفين : « حا . ميم » . منها سورة واحدة يذكر فيها بعد هذين الحرفين ثلاثة حروف أخر : « عين . سين . قاف » . وقد سبق الحديث عن الأحرف المقطعة في أوائل السور . وأنها إشارة إلى صياغة هذا القرآن منها . وهو معجز لهم مع تيسير هذه الأحرف لهم ومعرفتهم بها ، وهي أحرف لغتهم التي يتحدثونها ويكتبونها . وتليها الإشارة إلى تنزيل الكتاب . . إحدى الحقائق التي يتكرر الحديث عنها في السور المكية بوجه خاص ، في معرض بناء العقيدة :
« تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ »
. . وهي مجرد إشارة ينتقل السياق منها إلى التعريف ببعض صفات اللّه الذي نزل هذا الكتاب . وهي مجموعة من الصفات ذات علاقة موضوعية بمحتويات السورة كلها وقضاياها :
« الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ، غافِرِ الذَّنْبِ ، وَقابِلِ التَّوْبِ ، شَدِيدِ الْعِقابِ ، ذِي الطَّوْلِ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، إِلَيْهِ الْمَصِيرُ »
. . العزة . والعلم . وغفران الذنب . وقبول التوبة . وشدة العقاب . والفضل والإنعام . ووحدانية الألوهية ، ووحدانية المرجع والمصير . . وكل موضوعات السورة تتعلق بهذه المعاني ، التي جاءت في مطلع السورة . والتي سيقت في إيقاعات ثابتة الجرس ، قوية التركيب ، توحي بالاستقرار والثبات والرسوخ . واللّه - سبحانه - يعرف نفسه لعباده بصفاته ، ذات الأثر في حياتهم ووجودهم ، ويلمس بها مشاعرهم وقلوبهم ؛ فيثير رجاءهم وطمعهم ؛ كما يثير خوفهم وخشيتهم ، ويشعرهم بأنهم في قبضته لا مهرب لهم من تصريفه . ومنها هذه الصفات :
« الْعَزِيزِ »
: القوي القادر الذي يغلب ولا يغلب ، والذي يصرف الأمر لا يقدر عليه أحد ، ولا يعقب عليه أحد .
« الْعَلِيمِ »
. . الذي يصرف الوجود عن علم وعن خبرة ، فلا يخفى عليه شيء ، ولا يند عن علمه شيء .
« غافِرِ الذَّنْبِ »
. . الذي يعفو عن ذنوب العباد ، بما يعلمه - سبحانه - من استحقاقهم للغفران .
« وَقابِلِ التَّوْبِ »
. . الذي يتوب على العصاة ، ويتقبلهم في حماه ، ويفتح لهم بابه بلا حجاب .
« شَدِيدِ الْعِقابِ »
الذي يدمر على المستكبرين ويعاقب المعاندين ، الذين لا يتوبون ولا يستغفرون .