ونضرب بعض الأمثال التي ترسم جو السورة وظلها من هذه وتلك . .
من مصارع الغابرين :
« كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ ، وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ، وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ . فَأَخَذْتُهُمْ . فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ؟ »
. .
« أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ ، كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ ، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ؛ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا ، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ، إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ »
. .
ومن مشاهد القيامة :
« وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ . ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ »
. .
« الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ . . »
ومن اللمسات الندية مشهد حملة العرش في دعائهم الخاشع المنيب :
« الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا . رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً ، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ . رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ ، وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ . وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ »
. .
ومن اللمسات الموحية عرض آيات اللّه في الأنفس وفي الآفاق :
« هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ، ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ، ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً . وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ ، وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى ، وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ . فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »
. .
« اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً . إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ . ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ؟ »
. .
« اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ . وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ . ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ . فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ »
.
وهذه وتلك تصور جو السورة وترسم ظلها ، وتتناسق مع موضوعها وطابعها .
ويجري سياق السورة بموضوعاتها في أربعة أشواط متميزة .
يبدأ الشوط الأول منها بافتتاح السورة بالأحرف المقطعة :
« حم . تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ »
تتلوها تلك الإيقاعات الرصينة الثابتة :
« غافِرِ الذَّنْبِ . وَقابِلِ التَّوْبِ . شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ . لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . إِلَيْهِ الْمَصِيرُ »
. . ثم تقرر أن الوجود كله مسلم مستسلم للّه . وأنه لا يجادل في آيات اللّه إلا الذين كفروا فيشذون عن سائر الوجود بهذا الجدال . ومن ثم فهم لا يستحقون أن يأبه لهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - مهما تقلبوا في الخير والمتاع . فإنما هم صائرون إلى ما صارت إليه أحزاب المكذبين قبلهم ؛ وقد أخذهم اللّه أخذا ، بعقاب يستحق العجب والإعجاب ! ومع الأخذ في الدنيا فإن عذاب الآخرة ينتظرهم هناك . . ذلك بينما حملة العرش ومن حوله يعلنون إيمانهم بربهم ، ويتوجهون إليه بالعبادة ، ويستغفرون للذين آمنوا من أهل الأرض ، ويدعون لهم بالمغفرة والنعيم والفلاح . . وفي الوقت ذاته يعرض مشهد الكافرين يوم القيامة وهم ينادون من أرجاء الوجود المؤمن المسلم المستسلم :
« لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ »
. .
وهم في موقف الذلة والانكسار بعد الاستكبار ، يقرون بذنبهم ، ويعترفون بربهم ، فلا ينفعهم الاعتراف والإقرار ،