تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3062

مساهمون:

ص٣٠٦٢
وكل ما يرد في القرآن وفي الحديث من هذه الصور والمشاهد إنما هو تقريب للحقائق التي لا يملك البشر إدراكها بغير أن توضع لهم في تعبير يدركونه ، وفي صورة يتصورونها . ومنه هذا التصوير لجانب من حقيقة القدرة المطلقة ، التي لا تتقيد بشكل ، ولا تتحيز في حيز ، ولا تتحدد بحدود « 1 » . ثم يأخذ في مشهد من مشاهد القيامة يبدأ بالنفخة الأولى ، وينتهي بانتهاء الموقف ، وسوق أهل النار إلى النار . وأهل الجنة إلى الجنة . وتفرد اللّه ذي الجلال . وتوجه الوجود لذاته بالتسبيح والتحميد . وهو مشهد رائع حافل ، يبدأ متحركا ، ثم يسير وئيدا ، حتى تهدأ كل حركة ، وتسكن كل نأمة ، ويخيم على ساحة العرض جلال الصمت ، ورهبة الخشوع ، بين يدي اللّه الواحد القهار ! ها هي ذي الصيحة الأولى تنبعث ، فيصعق من يكون باقيا على ظهر الأرض من الأحياء ، ومن في السماوات كذلك - إلا من شاء اللّه - ولا نعلم كم يمضي من الوقت حتى تنبعث الصيحة الثانية :
« وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ . ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ »
. . ولا تذكر الصيحة الثالثة هنا . صيحة الحشر والتجميع . ولا تصور ضجة الحشر وعجيج الزحام . لأن هذا المشهد يرسم هنا في هدوء ، ويتحرك في سكون .
« وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها »
. . أرض الساحة التي يتم فيها الاستعراض . ونور ربها الذي لا نور غيره في هذا المقام . .
« وَوُضِعَ الْكِتابُ »
. . الحافظ لأعمال العباد . .
« وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ »
. . ليقولوا كلمة الحق التي يعلمون . . وطوي كل خصام وجدال - في هذا المشهد - تنسيقا لجوه مع الجلال والخشوع الذي يسود الموقف العام :
« وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ »
. . فلا حاجة إلى كلمة تقال ، ولا إلى صوت واحد يرتفع . ومن ثم تجمل وتطوى عملية الحساب والسؤال والجواب التي تعرض في مشاهد أخرى . لأن المقام هنا مقام روعة وجلال .
« وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً »
.
« حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها »
. . واستقبلهم خزنتها يسجلون استحقاقهم لها ويذكرونهم بأسباب مجيئهم إليها :
« وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا »
؟
« قالُوا : بَلى . وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ »
. . فالموقف موقف إذعان وتسليم . لا موقف مخاصمة ولا مجادلة . وهم مقرون مستسلمون !
« قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها . فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ »
! ذلك ركب جهنم ركب المتكبرين . فكيف ركب الجنة ؟ ركب المتقين ؟
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع فصل : التصوير الفني . وفصل : التخييل الحسي والتجسيم . وفي كتاب : التصوير الفني في القرآن « دار الشروق » .