تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3061

مساهمون:

ص٣٠٦١
« اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »
. . إنها الحقيقة التي ينطق بها كل شيء . فما يملك أحد أن يدعي أنه خلق شيئا . وما يملك عقل أن يزعم أن هذا الوجود وجد من غير مبدع . وكل ما فيه ينطق بالقصد والتدبير ؛ وليس أمر من أموره متروكا لقى أو للمصادفة من الصغير إلى الكبير :
« وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ »
. . وإلى اللّه قياد السماوات والأرض . فهو يصرفها وفق ما يريد ؛ وهي تسير وفق نظامه الذي قدره ؛ وما تتدخل إرادة غير إرادته في تصريفها ، على ما تشهد الفطرة ، وينطق الواقع ، ويقر العقل والضمير .
« وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »
. . خسروا لإدراك الذي يجعل حياتهم في الأرض متسقة مع حياة الكون كله ؛ وخسروا راحة الهدى وجمال الإيمان وطمأنينة الاعتقاد وحلاوة اليقين . وخسروا في الآخرة أنفسهم وأهليهم . فهم الخاسرون الذين ينطبق عليهم لفظ
« الْخاسِرُونَ »
! وعلى ضوء هذه الحقيقة التي تنطق بها السماوات والأرض ، ويشهد بها كل شيء في الوجود ، يلقن الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - استنكار ما يعرضونه عليه من مشاركتهم عبادة آلهتهم في مقابل أن يعبدوا معه إلهه . كأن الأمر أمر صفقة يساوم عليها في السوق !
« قُلْ : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ؟ »
. . وهو الاستنكار الذي تصرخ به الفطرة في وجه هذا العرض السخيف الذي ينبئ عن الجهل المطلق المطبق المطموس . ويعقب عليه بتحذير من الشرك . يبدأ أول ما يبدأ بالأنبياء والمرسلين . وهم - صلوات اللّه عليهم - لا يتطرق إلى قلوبهم طائف الشرك أبدا . ولكن التحذير هنا ينبه سواهم من أقوامهم إلى تفرد ذات اللّه سبحانه في مقام العبادة ، وتوحد البشر في مقام العبودية ، بما فيهم الأنبياء والمرسلون :
« وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ، وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ »
. . ويختم هذا التحذير من الشرك بالأمر بالتوحيد . توحيد العبادة والشكر على الهدى واليقين ، وعلى آلاء اللّه التي تغمر عباده ، ويعجزون عن إحصائها ، وهم فيها مغمورون :
« بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ »
. .
« وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ »
. . نعم . ما قدروا اللّه حق قدره ، وهم يشركون به بعض خلقه . وهم لا يعبدونه حق عبادته . وهم لا يدركون وحدانيته وعظمته . وهم لا يستشعرون جلاله وقوته . ثم يكشف لهم عن جانب من عظمة اللّه وقوته . على طريقة التصوير القرآنية ، التي تقرب للبشر الحقائق الكلية في صورة جزئية ، يتصورها إدراكهم المحدود :
« وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ . وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ . سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ »
. .
في ظلال القرآن — صفحة 3061 | سيد قطب