تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3053

مساهمون:

ص٣٠٥٣
يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ »
. . هذه الآيات الأربع تصور منطق الإيمان الصحيح ، في بساطته وقوته ، ووضوحه ، وعمقه . كما هو في قلب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وكما ينبغي أن يكون في قلب كل مؤمن برسالة ، وكل قائم بدعوة . وهي وحدها دستوره الذي يغنيه ويكفيه ، ويكشف له الطريق الواصل الثابت المستقيم . وقد ورد في سبب نزولها أن مشركي قريش كانوا يخوفون رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - من آلهتهم ، ويحذرونه من غضبها ، وهو يصفها بتلك الأوصاف المزرية بها ، ويوعدونه بأنه إن لم يسكت عنها فستصيبه بالأذى . . ولكن مدلول هذه الآيات أوسع وأشمل . فهي تصور حقيقة المعركة بين الداعية إلى الحق وكل ما في الأرض من قوى مضادة . كما تصور الثقة واليقين والطمأنينة في القلب المؤمن ، بعد وزن هذه القوى بميزانها الصحيح .
« أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ »
؟ بلى ! فمن ذا يخيفه ، وما ذا يخيفه ؟ إذا كان اللّه معه ؟ وإذا كان هو قد اتخذ مقام العبودية وقام بحق هذا المقام ؟ ومن ذا يشك في كفاية اللّه لعبده وهو القوي القاهر فوق عباده ؟
« وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ »
. . فكيف يخاف ؟ والذين من دون اللّه لا يخيفون من يحرسه اللّه . وهل في الأرض كلها إلا من هم دون اللّه ؟ إنها قضية بسيطة واضحة ، لا تحتاج إلى جدل ولا كد ذهن . . إنه اللّه . ومن هم دون اللّه . وحين يكون هذا هو الموقف لا يبقى هنالك شك ولا يكون هناك اشتباه . وإرادة اللّه هي النافذة ومشيئته هي الغالبة . وهو الذي يقضي في العباد قضاءه . في ذوات أنفسهم ، وفي حركات قلوبهم ومشاعرهم :
« وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ . وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ »
. . وهو يعلم من يستحق الضلالة فيضله ، ومن يستحق الهدى فيهديه . فإذا قضى بقضائه هكذا أو هكذا فلا مبدل لما يشاء .
« أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ ؟ »
بلى . وإنه لعزيز قوي . وإنه ليجازي كلا بما يستحق . وإنه لينتقم ممن يستحق الانتقام . فكيف يخشى أحدا أو شيئا من يقوم بحق العبودية له ، وهو كافله وكافيه ؟ ثم يقرر هذه الحقيقة في صورة أخرى منتزعة من منطقهم هم أنفسهم ، ومن واقع ما يقررونه من حقيقة اللّه في فطرتهم :
« وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ؟ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ . قُلْ . أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ ؟ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ ؟ قُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ »
. . لقد كانوا يقررون - حين يسألون - أن اللّه هو خالق السماوات والأرض . وما تملك فطرة أن تقول غير هذا ، وما يستطيع عقل أن يعلل نشأة السماوات والأرض إلا بوجود إرادة عليا . فهو يأخذهم ويأخذ العقلاء جميعا بهذه الحقيقة الفطرية الواضحة . . إذا كان اللّه هو خالق السماوات والأرض . فهل يملك أحد أو شيء في هذه