السماوات والأرض أن يكشف ضرا أراد اللّه أن يصيب به عبدا من عباده ؟ أم يملك أحد أو شيء في هذه السماوات والأرض أن يحبس رحمة أراد اللّه أن تنال عبدا من عباده ؟
والجواب القاطع : أن لا . . فإذا تقرر هذا فما الذي يخشاه داعية إلى اللّه ؟ ما الذي يخشاه وما الذي يرجوه ؟
وليس أحد بكاشف الضر عنه ؟ وليس أحد بمانع الرحمة عنه ؟ وما الذي يقلقه أو يخيفه أو يصده عن طريقه ؟
إنه متى استقرت هذه الحقيقة في قلب مؤمن فقد انتهى الأمر بالنسبة إليه . وقد انقطع الجدل . وانقطع الخوف وانقطع الأمل . إلا في جناب اللّه سبحانه . فهو كاف عبده وعليه يتوكل وحده :
« قُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ . عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ »
. .
ثم إنها الطمأنينة بعد هذا والثقة واليقين . الطمأنينة التي لا تخاف . والثقة التي لا تقلق . واليقين الذي لا يتزعزع .
والمضي في الطريق على ثقة بنهاية الطريق :
« قُلْ : يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ . فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ »
. .
يا قوم اعملوا على طريقكم وعلى حالكم . إني ماض في طريقي لا أميل ولا أخاف ولا أقلق . وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه في الدنيا ، ويحل عليه عذاب مقيم في الآخرة . .
لقد قضي الأمر بعد عرض الحقيقة البسيطة التي تنطق بها الفطرة ويشهد بها الوجود . . إن اللّه هو خالق السماوات والأرض . القاهر فوق السماوات والأرض . وهو صاحب هذه الدعوة التي يحملها الرسل ويتولاها الدعاة . فمن ذا في السماوات والأرض يملك لرسله شيئا أو لدعاته ؟ ومن ذا يملك أن يدفع عنهم ضرا أو يمسك عنهم رحمة ؟ وإذا لم يكن . فما ذا يخشون وما ذا يرجون عند غير اللّه ؟
ألا لقد وضح الأمر ولقد تعين الطريق ؛ ولم يعد هناك مجال لجدال أو محال ! تلك حقيقة الوضع بين رسل اللّه وسائر قوى الأرض التي تقف لهم في الطريق . فما حقيقة وظيفتهم وما شأنهم مع المكذبين ؟
« إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ . فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها . وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ . اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها ، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ ؟ قُلْ : أَ وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ ؟ قُلْ : لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً . لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
. .
« إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ »
. . الحق في طبيعته . والحق في منهجه . والحق في شريعته . الحق الذي تقوم عليه السماوات والأرض ؛ ويلتقي عليه نظام البشرية في هذا الكتاب ونظام الكون كله في تناسق .
هذا الحق نزل
« لِلنَّاسِ »
ليهتدوا به ويعيشوا معه ويقوموا عليه . وأنت مبلغ . وهم بعد ذلك وما يشاءون لأنفسهم من هدى أو ضلال ، ومن نعيم أو عذاب . فكل مورد نفسه ما يشاء ؛ وما أنت بمسيطر عليهم ولا بمسئول عنهم :
« فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ »
. .
إنما الوكيل عليهم هو اللّه . وهم في قبضته في صحوهم ونومهم وفي كل حالة من حالاتهم ، وهو يتصرف بهم كما يشاء :