تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3055

مساهمون:

ص٣٠٥٥
« اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ، وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها . فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى »
. . فاللّه يستوفي الآجال للأنفس التي تموت . وهو يتوفاها كذلك في منامها - وإن لم تمت بعد - ولكنها في النوم متوفاة إلى حين . فالتي حان أجلها يمسكها فلا تستيقظ . والتي لم يحن أجلها بعد يرسلها فتصحو . إلى أن يحل أجلها المسمى . فالأنفس في قبضته دائما في صحوها ونومها .
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ »
. . إنهم هكذا في قبضة اللّه دائما . وهو الوكيل عليهم . ولست عليهم بوكيل . وإنهم إن يهتدوا فلأنفسهم وإن يضلوا فعليها . وإنهم محاسبون إذن وليسوا بمتروكين . . فما ذا يرجون إذن للفكاك والخلاص ؟
« أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ ؟ قُلْ : أَ وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ ؟ قُلْ : لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً . لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
. . وهو سؤال للتهكم والسخرية من زعمهم أنهم يعبدون تماثيل الملائكة ليقربوهم إلى اللّه زلفى !
« أَ وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ ؟ »
. . يعقبه تقرير جازم بأن للّه الشفاعة جميعا . فهو الذي يأذن بها لمن يشاء على يد من شاء . فهل مما يؤهلهم للشفاعة أن يتخذوا من دون اللّه شركاء ؟ !
« لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
. . فليس هنا لك خارج على إرادته في هذا الملك . .
« ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
. . فلا مهرب ولا مفر من الرجوع إليه وحده في نهاية المطاف . . وفي هذا الموقف الذي يتفرد فيه اللّه سبحانه بالملك والقهر يعرض كيف هم ينفرون من كلمة التوحيد ويهشون لكلمة الشرك ، الذي ينكره كل ما حولهم في الوجود :
« وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ، وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ »
. والآية تصف واقعة حال على عهد النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - حين كان المشركون يهشون ويبشون إذا ذكرت آلهتهم ؛ وينقبضون وينفرون إذا ذكرت كلمة التوحيد . ولكنها تصف حالة نفسية تتكرر في شتى البيئات والأزمان . فمن الناس من تشمئز قلوبهم وتنقبض نفوسهم كلما دعوا إلى اللّه وحده إلها ، وإلى شريعة اللّه وحدها قانونا ، وإلى منهج اللّه وحده نظاما . حتى إذا ذكرت المناهج الأرضية والنظم الأرضية والشرائع الأرضية هشوا وبشوا ورحبوا بالحديث ، وفتحوا صدورهم للأخذ والرد . هؤلاء هم بعينهم الذين يصور اللّه نموذجا منهم في هذه الآية ، وهم بذاتهم في كل زمان ومكان . هم الممسوخو الفطرة ، المنحرفو الطبيعة ، الضالون المضلون ، مهما تنوعت البيئات والأزمنة ، ومهما تنوعت الأجناس والأقوام . والجواب على هذا المسخ والانحراف والضلال هو ما لقنه اللّه لرسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - في مواجهة مثل هذه الحال :
« قُلِ : اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ »
. . إنه دعاء الفطرة التي ترى السماء والأرض ؛ ويتعذر عليها أن تجد لها خالقا إلا اللّه فاطر السماوات والأرض ، فتتجه إليه بالاعتراف والإقرار . وتعرفه بصفته اللائقة بفاطر السماوات والأرض .
« عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ »
المطلع