تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3049

مساهمون:

ص٣٠٤٩
فهو يضله بما يعلمه من حقيقته المستقرة على الضلال ، التي لا تقبل الهدى ولا تجنح إليه بحال . ثم يعرض ما ينتظر أهل الضلال يوم القيامة في مشهد بائس في موعد حصاد الأعمال !
« أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ؟ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ : ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ »
. . والإنسان يقي وجهه عادة بيديه وجسمه . فأما هنا فهو لا يملك أن يدفع عن نفسه النار بيديه ولا برجليه ، فيدفعها بوجهه ، ويتقي به سوء العذاب . مما يدل على الهول والشدة والاضطراب . وفي زحمة هذا العذاب يتلقى التأنيب ، وتدفع إليه حصيلة حياته ويا لها من حصيلة :
« وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ : ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ »
! ويلتفت من هذا المشهد إلى الحديث عن المكذبين الذين يواجهون محمدا - صلّى اللّه عليه وسلّم - ليعرض عليهم ما جرى للمكذبين قبلهم لعلهم يتداركون أنفسهم :
« كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ . فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ »
. . فهذه حال المكذبين في الدنيا والآخرة . في الدنيا أذاقهم اللّه الخزي . وفي الآخرة ينتظرهم العذاب الأكبر . وسنة اللّه ماضية لا تتخلف . ومصارع القرون من قبلهم شاهدة . ووعيد اللّه لهم في الآخرة قائم . والفرصة أمامهم سانحة . وهذا الذكر لمن يتعظ ويذكر
« لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ »
!
« وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ ، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا ؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ »
. . يضرب اللّه المثل للعبد الموحد والعبد المشرك بعبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضا فيه ، وهو بينهم موزع ؛ ولكل منهم فيه توجيه ، ولكل منهم عليه تكليف ؛ وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج ولا يستقيم على طريق ؛ ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة المتعارضة التي تمزق اتجاهاته وقواه ! وعبد يملكه سيد واحد ، وهو يعلم ما يطلبه منه ، ويكلفه به ، فهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح . .
« هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا ؟ »
. . إنهما لا يستويان . فالذي يخضع لسيد واحد ينعم براحة الاستقامة والمعرفة واليقين . وتجمع الطاقة ووحدة الاتجاه ، ووضوح الطريق . والذي يخضع لسادة متشاكسين معذب مقلقل لا يستقر على حال ولا يرضي واحدا منهم فضلا على أن يرضي الجميع ! وهذا المثل يصور حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك في جميع الأحوال . فالقلب المؤمن بحقيقة التوحيد هو القلب الذي يقطع الرحلة على هذه الأرض على هدى ، لأن بصره أبدا معلق بنجم واحد على الأفق فلا يلتوي به الطريق . ولأنه يعرف مصدرا واحدا للحياة والقوة والرزق ، ومصدرا واحدا للنفع والضر ، ومصدرا واحدا للمنح والمنع ، فتستقيم خطاه إلى هذا المصدر الواحد ، يستمد منه وحده ، ويعلق يديه بحبل واحد يشد عروته . ويطمئن اتجاهه إلى هدف واحد لا يزوغ عنه بصره . ويخدم سيدا واحدا يعرف ما ذا يرضيه فيفعله وما ذا يغضبه فيتقيه . . وبذلك تتجمع طاقته وتتوحد ، فينتج بكل طاقته وجهده وهو ثابت القدمين على الأرض متطلع إلى إله واحد في السماء . . ويعقب على هذا المثل الناطق الموحي ، بالحمد للّه الذي اختار لعباده الراحة والأمن والطمأنينة والاستقامة