تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3048

مساهمون:

ص٣٠٤٨
« ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا »
. . وقد بلغ غايته المقدرة له في ناموس الوجود ، وفي نظام الكون ، وفي مراحل الحياة ، فينضج للحصاد :
« ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً »
. . وقد استوفى أجله ، وأدى دوره ، وأنهى دورته كما قدر له واهب الحياة . .
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ »
. . الذين يتدبرون فيذكرون ، وينتفعون بما وهبهم اللّه من عقل وإدراك .
« أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ؟ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ . أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ . اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ؛ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ . ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ ؛ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ »
. . وكما ينزل الماء من السماء ؛ فينبت لهم به زرعا مختلفا ألوانه ؛ كذلك ينزل من السماء ذكرا تتلقاه القلوب الحية ؛ فتفتح وتنشرح وتتحرك حركة الحياة ، وتتلقاه القلوب القاسية كما تتلقاه الصخرة القاسية التي لا حياة فيها ولا نداوة ! واللّه يشرح للإسلام قلوبا يعلم منها الخير ، ويصلها بنوره فتشرق به وتستضيء . والفرق بين هذه القلوب وقلوب أخرى قاسية فرق بعيد .
« فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ »
. .
« أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ »
. . وهذه الآية تصور حقيقة القلوب التي تتلقى الإسلام فتنشرح له وتندى به . وتصور حالها مع اللّه . حال الانشراح والتفتح والنداوة والبشاشة ، والإشراق والاستنارة . كما تصور حقيقة القلوب الأخرى في قساوتها وغلظتها وموتها وجفافها ، وعتمتها وظلامها . ومن يشرح اللّه صدره للإسلام ويمد له من نوره ، ليس قطعا كالقاسية قلوبهم من ذكر اللّه . وشتان شتان بين هؤلاء وهؤلاء . كذلك تصور الآية الثانية هيئة تلقي المؤمنين لهذا القرآن . هذا الكتاب المتناسق الذي لا اختلاف في طبيعته ولا في اتجاهاته ، ولا في روحه ، ولا في خصائصه . فهو « متشابه » وهو
« مَثانِيَ »
تكرر مقاطعه وقصصه وتوجيهاته ومشاهده . ولكنها لا تختلف ولا تتعارض ، إنما تعاد في مواضع متعددة وفق حكمة تتحقق في الإعادة والتكرار . في تناسق وفي استقرار على أصول ثابتة متشابهة . لا تعارض فيها ولا اصطدام . والذين يخشون ربهم ويتقونه ، ويعيشون في حذر وخشية ، وفي تطلع ورجاء ، يتلقون هذا الذكر في وجل وارتعاش ، وفي تأثر شديد تقشعر منه الجلود ؛ ثم تهدأ نفوسهم ، وتأنس قلوبهم بهذا الذكر ؛ فتلين جلودهم وقلوبهم وتطمئن إلى ذكر اللّه . . وهي صورة حية حساسة ترسمها الكلمات ، فتكاد تشخص فيها الحركات .
« ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ »
. . فما ترتعش القلوب هكذا إلا حين تحركها إصبع الرحمن إلى الهدى والاستجابة والإشراق . واللّه يعلم من حقيقة القلوب ما يجازيها عليه بالهدى أو بالضلال :
« وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ »
. .
في ظلال القرآن — صفحة 3048 | سيد قطب