تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3047

مساهمون:

ص٣٠٤٧
في هذا المقطع من السورة لفتة إلى حياة النبات في الأرض عقب إنزال الماء من السماء ؛ وانتهائها إلى غايتها القريبة ، وكثيرا ما يضرب هذا مثلا للحياة الدنيا في حقيقتها الزائلة - وتوجيه لأولي الألباب الذين يذكرون ويتدبرون ليتدبروا هذا المثل ويذكروه . وعلى ذكر إنزال الماء من السماء يشير إلى الكتاب المنزل من السماء كذلك لتحيا به القلوب وتنشرح له الصدور ؛ مع تصوير موح لاستجابة القلوب المفتوحة لهذا الكتاب ، بخشية وقشعريرة ثم لين وطمأنينة . وتصوير كذلك لعاقبة المستجيبين لذكر اللّه ، والقاسية قلوبهم من ذكر اللّه ، وفي النهاية يتجه إلى حقيقة التوحيد ، فيضرب مثالا لمن يعبد إلها واحدا ومن يعبد آلهة متعددة . وهما لا يستويان مثلا ولا يتفقان حالا . كما لا يستوي حال العبد الذي يملكه سادة متنازعون والعبد الذي يعمل لسيد واحد لا ينازعه أحد فيه !
« أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ، فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً ؟ إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ »
. إن هذه الظاهرة التي يوجه القرآن إليها الأنظار للتأمل والتدبر ، ظاهرة تتكرر في أنحاء الأرض ، حتى لتذهب الألفة بجدتها وما فيها من عجائب في كل خطوة من خطواتها . والقرآن يوجه النظر إلى رؤية يد اللّه وتتبع آثارها في كل خطوة من خطوات الحياة . فهذا الماء النازل من السماء . . ما هو وكيف نزل ؟ إننا نمر بهذه الخارقة سراعا لطول الألفة وطول التكرار . إن خلق الماء في ذاته خارقة . ومهما عرفنا أنه ينشأ من اتحاد ذرتي إيدروجين بذرة أكسوجين تحت ظروف معينة ، فإن هذه المعرفة خليقة بأن توقظ قلوبنا إلى رؤية يد اللّه التي صاغت هذا الكون بحيث يوجد الإيدروجين ويوجد الأكسوجين وتوجد الظروف التي تسمح باتحادهما ، وبوجود الماء من هذا الاتحاد . ومن ثم وجود الحياة في هذه الأرض . ولولا الماء ما وجدت حياة . إنها سلسلة من التدبير حتى نصل إلى وجود الماء ووجود الحياة . واللّه من وراء هذا التدبير ، وكله مما صنعت يداه . . ثم نزول هذا الماء بعد وجوده وهو الآخر خارقة جديدة ، ناشئة من قيام الأرض والكون على هذا النظام الذي يسمح بتكون الماء ونزوله وفق تدبير اللّه . ثم تجيء الخطوة التالية لإنزال الماء :
« فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ »
. . سواء في ذلك الأنهار الجارية على سطح الأرض ؛ أو الأنهار الجارية تحت طباقها مما يتسرب من المياه السطحية ، ثم يتفجر بعد ذلك ينابيع وعيونا ، أو يتكشف آبارا . ويد اللّه تمسكه فلا يذهب في الأغوار البعيدة التي لا يظهر منها أبدا !
« ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ »
. . والحياة النباتية التي تعقب نزول الماء وتنشأ عنه ؛ خارقة يقف أمامها جهد الإنسان حسيرا . ورؤية النبتة الصغيرة وهي تشق حجاب الأرض عنها ؛ وتزيح أثقال الركام من فوقها ؛ وتتطلع إلى الفضاء والنور والحرية ؛ وهي تصعد إلى الفضاء رويدا رويدا . . هذه الرؤية كفيلة بأن تملأ القلب المفتوح ذكرى ؛ وأن تثير فيه الإحساس باللّه الخالق المبدع الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى . والزرع المختلف الألوان في البقعة الواحدة . بل في النبتة الواحدة . بل في الزهرة الواحدة إن هو إلا معرض لإبداع القدرة ؛ يشعر الإنسان بالعجز المطلق عن الإتيان بشيء منه أصلا ! هذا الزرع النامي اللدن الرخص الطري بالحياة ، يبلغ تمامه ، ويستوفي أيامه :