تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3022

مساهمون:

ص٣٠٢٢
ويقول القرآن الكريم :
« وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ »
. . وتقول بعض الروايات : إن اللّه أحيا له أبناءه ووهب له مثلهم ، وليس في النص ما يحتم أنه أحيا له من مات . وقد يكون معناه أنه بعودته إلى الصحة والعافية قد استرد أهله الذين كانوا بالنسبة إليه كالمفقودين . وأنه رزقه بغيرهم زيادة في الإنعام والرحمة والرعاية . مما يصلح ذكرى لذوي العقول والإدراك . والمهم في معرض القصص هنا هو تصوير رحمة اللّه وفضله على عباده الذين يبتليهم فيصبرون على بلائه وترضى نفوسهم بقضائه . فأما قسمه ليضربن زوجه . فرحمة من اللّه به وبزوجه التي قامت على رعايته وصبرت على بلائه وبلائها به ، أمره اللّه أن يأخذ مجموعة من العيدان بالعدد الذي حدده . فيضربها به ضربة واحدة . تجزئ عن يمينه ، فلا يحنث فيها :
« وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ »
. . هذا التيسير ، وذلك الإنعام ، كانا جزاء على ما علمه اللّه من عبده أيوب من الصبر على البلاء وحسن الطاعة والالتجاء :
« إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً ، نِعْمَ الْعَبْدُ ، إِنَّهُ أَوَّابٌ »
. . وبعد عرض هذه القصص الثلاثة بشيء من التفصيل ؛ ليذكره رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ويصبر على ما يلاقيه . يجمل السياق الإشارة إلى مجموعة من الرسل . في قصصهم من البلاء والصبر ، ومن الإنعام والإفضال ، ما في قصص داود وسليمان وأيوب - عليهم السّلام - ومنهم سابقون على هؤلاء معروف زمانهم . ومنهم من لا نعرف زمانه ، لأن القرآن والمصادر المؤكدة لدينا لم تحدده :
« وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ . إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ . وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ . وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ . . »
. . وإبراهيم وإسحاق ويعقوب - وكذلك إسماعيل - كانوا قبل داود وسليمان قطعا . ولكن لا نعرف أين هم من زمان أيوب . وكذلك اليسع وذو الكفل . ولم يرد عنهما في القرآن إلا إشارات سريعة . وهناك نبي من أنبياء بني إسرائيل اسمه بالعبرية : « أليشع » وهو اليسع بالعربية على وجه الترجيح . فأما ذو الكفل فلا نعرف عنه شيئا إلا صفته هذه
« مِنَ الْأَخْيارِ »
. . ويصف اللّه سبحانه : إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، بأنهم
« أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ »
. . كناية عن العمل الصالح بالأيدي والنظر الصائب أو الفكر السديد بالأبصار . وكأن من لا يعمل صالحا لا يد له . ومن لا يفكر تفكيرا سليما لا عقل له أو لا نظر له ! كما يذكر من صفتهم التكريمية أن اللّه أخلصهم بصفة خاصة ليذكروا الدار الآخرة ، ويتجردوا من كل شيء سواها :
« إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ »
. . فهذه ميزتهم ورفعتهم . وهذه جعلتهم عند اللّه مختارين أخيارا :
« وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ »
. . وكذلك يشهد اللّه - سبحانه - لإسماعيل واليسع وذي الكفل أنهم من الأخيار . ويوجه خاتم أنبيائه وخير
في ظلال القرآن — صفحة 3022 | سيد قطب