تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3021

مساهمون:

ص٣٠٢١
فما معنى هذا ؟ معناه أنهم إذا لم ينتهوا فستتجه إرادتنا إلى تسليطك عليهم وإخراجهم من المدينة . وسيتم هذا بتوجيه إرادتك أنت ورغبتك إلى قتالهم وإخراجهم ؛ فتتم إرادتنا بهم عن طريقك . فهذا لون من توافق أمر اللّه - سبحانه - وأمر النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وإرادة اللّه وأمره هما الأصيلان . وهما يتجليان في إرادة الرسول وأمره وفق ما أراد اللّه . وهذا يقرب إلينا معنى تسخير الريح لأمر سليمان - عليه السّلام - تسخيرها لأمره المطابق لأمر اللّه في توجيه هذه الرياح ، الممثل لأمر اللّه المعبر عنه على كل حال . كذلك سخر له الشياطين لتبني له ما يشاء ؛ وتغوص له في البحر والأرض في طلب ما يشاء . وأعطاه السلطة لعقاب المخالفين والمفسدين ممن سخرهم له وتكبيلهم بالأصفاد مقرونة أيديهم إلى أرجلهم . أو مقرنين اثنين اثنين أو أكثر في القيود عند الاقتضاء . ثم قيل له : إنك مطلق اليد فيما وهب اللّه لك من سلطة ومن نعمة . تعطي من تشاء كيف تشاء . وتمسك عمن تشاء قدر ما تشاء :
« هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ »
. . وذلك زيادة في الإكرام والمنة . ثم زاد على هذا كله أن له عند ربه قربى في الدنيا وحسن مآب في الآخرة :
« وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ »
. . وتلك درجة عظيمة من الرعاية والرضى والإنعام والتكريم . ثم نمضي مع قصة الابتلاء والصبر ، والإنعام بعد ذلك والإفضال . نمضي في السياق مع قصة أيوب :
« وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ . ارْكُضْ بِرِجْلِكَ . هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ . وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ . وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ ، إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ »
. . وقصة ابتلاء أيوب وصبره ذائعة مشهورة ؛ وهي تضرب مثلا للابتلاء والصبر . ولكنها مشوبة بإسرائيليات تطغى عليها . والحد المأمون في هذه القصة هو أن أيوب - عليه السّلام - كان كما جاء في القرآن عبدا صالحا أوّابا ؛ وقد ابتلاه اللّه فصبر صبرا جميلا ، ويبدو أن ابتلاءه كان بذهاب المال والأهل والصحة جميعا ولكنه ظل على صلته بربه ، وثقته به ، ورضاه بما قسم له . وكان الشيطان يوسوس لخلصائه القلائل الذين بقوا على وفائهم له - ومنهم زوجته - بأن اللّه لو كان يحب أيوب ما ابتلاه . وكانوا يحدثونه بهذا فيؤذيه في نفسه أشد مما يؤذيه الضر والبلاء . فلما حدثته امرأته ببعض هذه الوسوسة حلف لئن شفاه اللّه ليضربنها عددا عينه - قيل مائة . وعندئذ توجه إلى ربه بالشكوى مما يلقى من إيذاء الشيطان ، ومداخله إلى نفوس خلصائه ، ووقع هذا الإيذاء في نفسه :
« أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ »
. . فلما عرف ربه منه صدقه وصبره ، ونفوره من محاولات الشيطان ، وتأذيه بها ، أدركه برحمته . وأنهى ابتلاءه ، ورد عليه عافيته . . إذ أمره أن يضرب الأرض بقدمه فتتفجر عين باردة يغتسل منها ويشرب فيشفى ويبرأ :
« ارْكُضْ بِرِجْلِكَ . هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ »
. .