تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3020

مساهمون:

ص٣٠٢٠
« وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ . نِعْمَ الْعَبْدُ . إِنَّهُ أَوَّابٌ . إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ . فَقالَ : إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ . رُدُّوها عَلَيَّ . فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ . وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ . قالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ . فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ . وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ . وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ . هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ . وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ »
. . والإشارتان الواردتان هنا عن الصافنات الجياد وهي الخيل الكريمة . وعن الجسد الذي ألقي على كرسي سليمان . . كلتاهما إشارتان لم تسترح نفسي لأي تفسير أو رواية مما احتوته التفاسير والروايات عنهما . فهي إما إسرائيليات منكرة ، وإما تأويلات لا سند لها . ولم أستطع أن أتصور طبيعة الحادثين تصورا يطمئن إليه قلبي ، فأصوره هنا وأحكيه . ولم أجد أثرا صحيحا أركن إليه في تفسيرهما وتصويرهما سوى حديث صحيح . صحيح في ذاته ولكن علاقته بأحد هذين الحادثين ليست أكيدة . هذا الحديث هو ما رواه أبو هريرة - رضي اللّه عنه - عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأخرجه البخاري في صحيحه مرفوعا . ونصه : « قال سليمان : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة . كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل اللّه . ولم يقل : إن شاء اللّه . فطاف عليهن فلم يحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل . والذي نفسي بيده ، لو قال إن شاء اللّه لجاهدوا في سبيل اللّه فرسانا أجمعون » . . وجائز أن تكون هذه هي الفتنة التي تشير إليها الآيات هنا ، وأن يكون الجسد هو هذا الوليد الشق . ولكن هذا مجرد احتمال . . أما قصة الخيل فقيل : إن سليمان - عليه السّلام - استعرض خيلا له بالعشي . ففاتته صلاة كان يصليها قبل الغروب . فقال ردوها عليّ . فردوها عليه فجعل يضرب أعناقها وسيقانها جزاء ما شغلته عن ذكر ربه . ورواية أخرى أنه إنما جعل يمسح سوقها وأعناقها إكراما لها لأنها كانت خيلا في سبيل اللّه . . وكلتا الروايتين لا دليل عليها . ويصعب الجزم بشيء عنها . ومن ثم لا يستطيع متثبت أن يقول شيئا عن تفصيل هذين الحادثين المشار إليهما في القرآن . وكل ما نخرج به هو أنه كان هناك ابتلاء من اللّه وفتنة لنبي اللّه سليمان - عليه السّلام - في شأن يتعلق بتصرفاته في الملك والسلطان كما يبتلي اللّه أنبياءه ليوجههم ويرشدهم ، ويبعد خطاهم عن الزلل . وأن سليمان أناب إلى ربه ورجع ، وطلب المغفرة ؛ واتجه إلى اللّه بالدعاء والرجاء :
« قالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ »
. . وأقرب تأويل لهذا الطلب من سليمان - عليه السّلام - أنه لم يرد به أثرة . إنما أراد الاختصاص الذي يتجلى في صورة معجزة . فقد أراد به النوع . أراد به ملكا ذا خصوصية تميزه من كل ملك آخر يأتي بعده . وذا طبيعة معينة ليست مكررة ولا معهودة في الملك الذي يعرفه الناس . وقد استجاب له ربه ، فأعطاه فوق الملك المعهود ، ملكا خاصا لا يتكرر :
« فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ . وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ . وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ »
. وتسخير الريح لعبد من عباد اللّه بإذن اللّه ؛ لا يخرج في طبيعته عن تسخير الريح لإرادة اللّه . وهي مسخرة لإرادته تعالى ولا شك ، تجري بأمره وفق نواميسه ؛ فإذا يسر اللّه لعبد من عباده في فترة من الفترات أن يعبر عن إرادة اللّه سبحانه وأن يوافق أمره أمر اللّه فيها ؛ وأن تجري الريح رخاء حيث أراد ؛ فذلك أمر ليس على اللّه بمستبعد . ومثله يقع في صور شتى . واللّه سبحانه يقول في القرآن للرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم -
« لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ، ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا »
. .