تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3017

مساهمون:

ص٣٠١٧
يذكر داود هنا بأنه ذو القوة . وبأنه أواب . . وقد جاء من قبل ذكر قوم نوح وعاد وفرعون ذي الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة . . وهم طغاة بغاة . كان مظهر قوتهم هو الطغيان والبغي والتكذيب . فأما داود فقد كان ذا قوة ، ولكنه كان أوابا ، يرجع إلى ربه طائعا تائبا عابدا ذاكرا . وهو القوي ذو الأيد والسلطان . وقد مضى في سورة البقرة بدء قصة داود ، وظهوره في جيش طالوت ، في بني إسرائيل - من بعد موسى - إذ قالوا لنبي لهم : ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل اللّه . فاختار لهم طالوت ملكا . ولقي بهم عدوهم الجبار جالوت وجنوده . وقتل داود جالوت . وكان إذ ذاك فتى . ومنذ ذلك الحين ارتفع نجمه حتى ولي الملك أخيرا ؛ وأصبح ذا سلطان . ولكنه كان أوابا رجاعا إلى ربه بالطاعة والعبادة والذكر والاستغفار . ومع النبوة والملك آتاه اللّه من فضله قلبا ذاكرا وصوتا رخيما ، يرجع به تراتيله التي يمجد فيها ربه . وبلغ من قوة استغراقه في الذكر ، ومن حسن حظه في الترتيل ، أن تزول الحواجز بين كيانه وكيان هذا الكون . وتتصل حقيقته بحقيقة الجبال والطير في صلتها كلها ببارئها ، وتمجيدها له وعبادتها . فإذا الجبال تسبح معه ، وإذا الطير مجموعة عليه ، تسبح معه لمولاها ومولاه :
« إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ . وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ »
. . ولقد يقف الناس مدهوشين أمام هذا النبأ . . الجبال الجامدة تسبح مع داود بالعشي والإشراق ، حينما يخلو إلى ربه ، يرتل ترانيمه في تمجيده وذكره . والطير تتجمع على نغماته لتسمع له وترجع معه أناشيده . . لقد يقف الناس مدهوشين للنبإ ، إذ يخالف مألوفهم ، ويخالف ما اعتادوا أن يحسوه من العزلة بين جنس الإنسان ، وجنس الطير ، وجنس الجبال ! ولكن فيم الدهش ؟ وفيم العجب ؟ إن لهذه الخلائق كلها حقيقة واحدة . وراء تميز الأجناس والأشكال والصفات والسمات . . حقيقة واحدة يجتمعون فيها ببارئ الوجود كله : أحيائه وأشيائه جميعا . وحين تصل صلة الإنسان بربه إلى درجة الخلوص والإشراق والصفاء ، فإن تلك الحاجز تنزاح ؛ وتنساح الحقيقة المجردة لكل منهم . فتتصل من وراء حواجز الجنس والشكل والصفة والسمة التي تميزهم وتعزلهم في مألوف الحياة ! وقد وهب اللّه عبده داود هذه الخاصية ؛ وسخر الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق . وحشر عليه الطير ترجع مع ترانيمه تسبيحا للّه . وكانت هذه هبة فوق الملك والسلطان ، مع النبوة والاستخلاص .
« وَشَدَدْنا مُلْكَهُ . وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ »
. . فكان ملكه قويا عزيزا . وكان يسوسه بالحكمة والحزم جميعا . وفصل الخطاب قطعه والجزم فيه برأي لا تردد فيه . وذلك مع الحكمة ومع القوة غاية الكمال في الحكم والسلطان في عالم الإنسان . ومع هذا كله فقد تعرض داود للفتنة والابتلاء ؛ وكانت عين اللّه عليه لترعاه وتقود خطاه ، وكانت يد اللّه معه تكشف له ضعفه وخطأه ، وتوقيه خطر الطريق وتعلمه كيف يتوقاه :
« وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ؟ إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ . قالُوا : لا تَخَفْ . خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ . فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ . وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ . إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ، فَقالَ : أَكْفِلْنِيها ، وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ . قالَ : لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ ، وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ - وَقَلِيلٌ ما هُمْ - وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ . فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ »
. .