تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3006

مساهمون:

ص٣٠٠٦
وهذا المشهد يؤلف الشوط الثالث في السورة . كما يرد على استنكارهم لما يخبرهم به الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - من أمر الوحي . ويتمثل هذا الرد في قصة آدم في الملأ الأعلى . حيث لم يكن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - حاضرا ؛ إنما هو إخبار اللّه له بما كان ، مما لم يشهده - غير آدم - إنسان . . وفي ثنايا القصة يتبين أن الذي أردى إبليس ، وذهب به إلى الطرد واللعنة ، كان هو حسده لآدم - عليه السّلام - واستكثاره أن يؤثره اللّه عليه ويصطفيه . كما أنهم هم يستكثرون على محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يصطفيه اللّه من بينهم بتنزيل الذكر ؛ ففي موقفهم شبه واضح من موقف إبليس المطرود اللعين ! وتختم السورة بختام هذا الشوط الرابع والأخير فيها ؛ بقول النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - لهم : إن ما يدعوهم إليه لا يتكلفه من عنده ، ولا يطلب عليه أجرا ، وإن له شأنا عظيما سوف يتجلى :
« قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ . إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ . وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ »
. . هذه الأشواط الأربعة التي تجري بموضوعات السورة هذا المجرى ؛ تجول بالقلب البشري في مصارع الغابرين ، الذين طغوا وتجبروا واستعلوا على الرسل والمؤمنين ، ثم انتهوا إلى الهزيمة والدمار والخذلان :
« جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ . كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ . وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ . إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ »
. . تعرض على القلب البشري هذه الصفحة . صفحة الهزيمة والدمار والهلاك للطغاة المكذبين . ثم تعرض بإزائها صفحة العز والتمكين والرحمة والرعاية لعباد اللّه المختارين ، في قصص داود وسليمان وأيوب . هذا وذلك في واقع الأرض . . ثم تطوف بهذا القلب في يوم القيامة وما وراءه من صور النعيم والرضوان . وصور الجحيم والغضب . حيث يرى لونا آخر مما يلقاه الفريقان في دار البقاء . بعد ما لقياه في دار الفناء . . والجولة الأخيرة في قصة البشرية الأولى وقصة الحسد والغواية من العدو الأول ، الذي يقود خطى الضالين عن عمد وعن سابق إصرار . وهم غافلون . كذلك ترد في ثنايا القصص لفتة تلمس القلب البشري وتوقظه إلى الحق الكامن في بناء السماء والأرض . وأنه الحق الذي يريد اللّه بإرسال الرسل أن يقره بين الناس في الأرض . فهذا من ذلك :
« وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا »
. . وهي لفتة لها في القرآن نظائر . وهي حقيقة أصيلة من حقائق هذه العقيدة التي هي مادة القرآن المكي الأصيلة . . والآن نأخذ في التفصيل . .
« ص . وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ . بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ . كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ، فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ »
. . هذا الحرف . . « صاد » يقسم به اللّه سبحانه كما يقسم بالقرآن ذي الذكر . وهذا الحرف من صنعة اللّه تعالى . فهو موجده . موجده صوتا في حناجر البشر ؛ وموجده حرفا من حروف الهجاء التي يتألف من جنسها التعبير القرآني . وهي في متناول البشر ولكن القرآن ليس في متناولهم لأنه من عند اللّه . وهو متضمن صنعة اللّه