تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3005

مساهمون:

ص٣٠٠٥
رسولا من عند اللّه :
« وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ . وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ ، أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً : إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ . وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ : أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ . ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ . أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا ؟ »
. . كما تمثل استهزاءهم واستنكارهم لما أوعدهم به جزاء تكذيبهم من عذاب :
« وَقالُوا : رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ »
. . لقد استكثروا أن يختار اللّه - سبحانه - رجلا منهم ، لينزل عليه الذكر من بينهم . وأن يكون هذا الرجل هو محمد بن عبد اللّه . الذي لم تسبق له رئاسة فيهم ولا إمارة ! ومن ثم ساءلهم اللّه في مطلع السورة تعقيبا على استكثارهم هذا واستنكارهم وقولهم :
« أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا »
ساءلهم :
« أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ؟ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ؟ فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ »
. . ليقول لهم : إن رحمة اللّه لا يمسكها شيء إذا أراد اللّه أن يفتحها على من يشاء . وإنه ليس للبشر شيء من ملك السماوات والأرض ، وإنما يفتح اللّه من رزقه ورحمته على من يشاء . وإنه يختار من عباده من يعلم استحقاقهم للخير ، وينعم عليهم بشتى الإنعامات بلا قيد ولا حد ، ولا حساب . . وفي هذا السياق جاءت قصة داود وقصة سليمان ؛ وما أغدق اللّه عليهما من النبوة والملك ، ومن تسخير الجبال والطير ، وتسخير الجن والريح ، فوق الملك وخزائن الأرض والسلطان والمتاع . وهما - مع هذا كله - بشر من البشر ؛ يدركهما ضعف البشر وعجز البشر ؛ فتتداركهما رحمة اللّه ورعايته ، وتسد ضعفهما وعجزهما ، وتقبل منهما التوبة والإنابة ، وتسدد خطاهما في الطريق إلى اللّه . وجاء مع القصتين توجيه النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلى الصبر على ما يلقاه من المكذبين ، والتطلع إلى فضل اللّه ورعايته كما تمثلهما قصة داود وقصة سليمان :
« اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ
. . إلخ » . . كذلك جاءت قصة أيوب تصور ابتلاء اللّه للمخلصين من عباده بالضراء . وصبر أيوب مثل في الصبر رفيع . وتصور حسن العاقبة ، وتداركه برحمة اللّه ، تغمره بفيضها ، وتمسح على آلامه بيدها الحانية . . وفي عرضها تأسية للرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - وللمؤمنين ، عما كانوا يلقونه من الضر والبأساء في مكة ؛ وتوجيه إلى ما وراء الابتلاء من رحمة ، تفيض من خزائن اللّه عندما يشاء . وهذا القصص يستغرق معظم السورة بعد المقدمة ، ويؤلف الشوط الثاني منها . كذلك تتضمن السورة ردا على استعجالهم بالعذاب ، وقولهم :
« رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ »
. . فيعرض بها - بعد القصص - مشهد من مشاهد القيامة ، يصور النعيم الذي ينتظر المتقين . والجحيم التي تنتظر المكذبين . ويكشف عن استقرار القيم الحقيقية في الآخرة بين هؤلاء وهؤلاء . حين يرى الملأ المتكبرون مصيرهم ومصير الفقراء الضعاف الذين كانوا يهزءون بهم في الأرض ويسخرون ، ويستكثرون عليهم أن تنالهم رحمة اللّه ، وهم ليسوا من العظماء ولا الكبراء . وبينما المتقون لهم حسن مآب
« جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ ، مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ . وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ »
. . فإن للطاغين لشر مآب
« جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ . هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ، وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ »
. . وهم يتلاعنون في جهنم ويتخاصمون ، ويذكرون كيف كانوا يسخرون بالمؤمنين :
« وَقالُوا : ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ . أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ ؟ »
فإنهم لا يجدونهم في جهنم . وقد عرف أنهم هنالك في الجنان ! فهذا هو جواب ذلك الاستعجال والاستهزاء !