تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3008

مساهمون:

ص٣٠٠٨
« ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ . . ! »
. .
« هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ »
. .
« إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ »
. . إلخ وقصة العجب من أن يكون الرسول بشرا قصة قديمة ، مكرورة معادة ، قالها كل قوم وتعللوا بها منذ بدء الرسالات . وتكرر إرسال الرسل من البشر ؛ وظل البشر مع هذا يكررون الاعتراض :
« وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ »
. . وأوجب شيء وأقرب شيء إلى الحكمة والمنطق أن يكون المنذر منهم . بشرا يدرك كيف يفكر البشر وكيف يشعرون ؛ ويحس ما يعتلج في نفوسهم ، وما يشتجر في كيانهم ، وما يعانون من نقص وضعف ، وما يجدون من ميول ونزعات ، وما يستطيعون أو لا يستطيعون من جهد وعمل ، وما يعترضهم من عوائق وعقبات ، وما يعتريهم من مؤثرات واستجابات . . بشرا يعيش بين البشر - وهو منهم - فتكون حياته قدوة لهم ؛ وتكون لهم فيه أسوة . وهم يحسون أنه واحد منهم ، وأن بينهم وبينه شبها وصلة . فهم مطالبون إذن بالمنهج الذي يأخذ به نفسه ، ويدعوهم لاتباعه . وهم قادرون على الأخذ بهذا المنهج فقد حققه أمامهم بشر منهم في واقع حياته . . بشرا منهم . من جيلهم . ومن لسانهم . يعرف مصطلحاتهم وعاداتهم وتقاليدهم وتفصيلات حياتهم . ويعرفون لغته ، ويفهمون عنه ، ويتفاهمون معه ، ويتجاوبون وإياه . ومن ثم لا تقوم بينه وبينهم جفوة من اختلاف جنسه . أو اختلاف لغته . أو اختلاف طبيعة حياته أو تفصيلات حياته . ولكن أوجب شيء وأقربه إلى أن يكون ، هو الذي كان دائما موضع العجب ، ومحط الاستنكار ، وموضوع التكذيب ! ذلك أنهم كانوا لا يدركون حكمة هذا الاختيار ؛ كما كانوا يخطئون تصور طبيعة الرسالة . وبدلا من أن يروها قيادة واقعية للبشرية في الطريق إلى اللّه . كانوا يتصورونها خيالية غامضة محوطة بالأسرار التي لا يصح أن تكون مفهومة هكذا وقريبة ! كانوا يريدونها مثلا خيالية طائرة لا تلمس بالأيدي ، ولا تبصر في النور ، ولا تدرك في وضوح ، ولا تعيش واقعية في دنيا الناس ! وعندئذ يستجيبون لها كأسطورة غامضة كما كانوا يستجيبون للأساطير التي تؤلف عقائدهم المتهافتة ! ولكن اللّه أراد للبشرية - وبخاصة في الرسالة الأخيرة - أن تعيش بهذه الرسالة عيشة طبيعية واقعية . عيشة طيبة ونظيفة وعالية ، ولكنها حقيقة في هذه الأرض . لا وهما ولا خيالا ولا مثلا طائرا في سماء الأساطير والأحلام ! يعز على التحقيق ويهرب في ضباب الخيالات والأوهام !
« وَقالَ الْكافِرُونَ : هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ »
. . قالوا كذلك استبعادا لأن يكون اللّه قد أوحى إلى رجل منهم . وقالوه كذلك تنفيرا للعامة من محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - وتهويشا على الحق الواضح في حديثه ، والصدق المعروف عن شخصه . والحق الذي لا مرية فيه أن كبراء قريش لم يصدقوا أنفسهم لحظة وهم يقولون عن محمد بن عبد اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - الذي يعرفونه حق المعرفة : إنه ساحر وإنه كذاب ! إنما كان هذا سلاحا من أسلحة التهويش والتضليل وحرب الخداع التي يتقنها الكبراء ؛ ويتخذونها لحماية أنفسهم ومراكزهم من خطر الحق الذي يتمثل في هذه العقيدة ؛ ويزلزل القيم الزائفة والأوضاع الباطلة التي يستند إليها أولئك الكبراء ! ولقد نقلنا من قبل وننقل هنا واقعة الاتفاق بين كبراء قريش على استخدام حرب الدعاية ضد محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - والحق الذي جاء به ، لحماية أنفسهم وأوضاعهم بين الجماهير في مكة . ولصد القبائل التي كانت تفد إلى مكة في موسم الحج ، عن الدين الجديد وصاحبه - صلّى اللّه عليه وسلّم - .