تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3007

مساهمون:

ص٣٠٠٧
التي لا يملك البشر الإتيان بمثلها لا في القرآن ولا في غير القرآن . وهذا الصوت . . « صاد » . . الذي تخرجه حنجرة الإنسان ، إنما يخرج هكذا من هذه الحنجرة بقدرة الخالق المبدع ، الذي صنع الحنجرة وما تخرجه من أصوات . وما يملك البشر أن يصنعوا مثل هذه الحنجرة الحية التي تخرج هذه الأصوات ! وإنها لمعجزة خارقة لو كان الناس يتدبرون الخوارق المعجزة في كل جزئية من جزئيات كيانهم القريب ! ولو عقلوها ما دهشوا لوحي يوحيه اللّه لبشر يختاره منهم . فالوحي ليس أكثر غرابة من إيداع تكوينهم هذه الخصائص المعجزات !
« ص . وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ »
. . والقرآن يشتمل الذكر كما يشتمل غيره من التشريع والقصص والتهذيب . . ولكن الذكر والاتجاه إلى اللّه هو الأول . وهو الحقيقة الأولى في هذا القرآن . بل إن التشريع والقصص وغيرهما إن هي إلا بعض هذا الذكر . فكلها تذكر باللّه وتوجه القلب إليه في هذا القرآن . وقد يكون معنى ذي الذكر . أي المذكور المشهور . وهو وصف أصيل للقرآن :
« بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ »
. . وهذا الإضراب في التعبير يلفت النظر . فهو يبدو كأنه انقطاع عن الموضوع الأول . موضوع القسم بصاد وبالقرآن ذي الذكر . هذا القسم الذي لم يتم في ظاهر التعبير . لأن المقسم عليه لم يذكر واكتفى بالمقسم به ثم أخذ يتحدث بعده عن المشركين . وما هم فيه من استكبار ومن مشاقة . ولكن هذا الانقطاع عن القضية الأولى هو انقطاع ظاهري ، يزيد الاهتمام بالقضية التي تليه . لقد أقسم بصاد وبالقرآن ذي الذكر . فدل على أنه أمر عظيم ، يستحق أن يقسم به اللّه سبحانه . ثم عرض إلى جانب هذا استكبار المشركين ومشاقتهم في هذا القرآن . فهي قضية واحدة قبل حرف الإضراب
« بَلِ »
وبعده . ولكن هذا الالتفات في الأسلوب يوجه النظر بشدة إلى المفارقة بين تعظيم اللّه - سبحانه - لهذا القرآن ، واستكبار المشركين عنه ومشاقتهم فيه . وهو أمر عظيم ! وعقب على الاستكبار والمشاقة ، بصفحة الهلاك والدمار لمن كان قبلهم ، ممن كذبوا مثلهم ، واستكبروا استكبارهم ، وشاقوا مشاقتهم . ومشهدهم وهم يستغيثون فلا يغاثون ، وقد تخلى عنهم الاستكبار وأدركتهم الذلة ، وتخلوا عن الشقاق ولجئوا إلى الاستعطاف . ولكن بعد فوات الأوان :
« كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ، فَنادَوْا ، وَلاتَ حِينَ مَناصٍ »
! فلعلهم حين يتملون هذه الصفحة أن يطامنوا من كبريائهم ؛ وأن يرجعوا عن شقاقهم . وأن يتمثلوا أنفسهم في موقف أولئك القرون . ينادون ويستغيثون . وفي الوقت أمامهم فسحة ، قبل أن ينادوا ويستغيثوا ، ولات حين مناص . ولا موضع حينذاك للغوث ولا للخلاص ! يطرق قلوبهم تلك الطرقة ، ويوقع عليها هذا الإيقاع قبل أن يعرض تفصيل تلك العزة وهذا الشقاق . . ثم يفصل الأمر ويحكي ما هم فيه من عزة وشقاق :
« وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ، وَقالَ الْكافِرُونَ : هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ . أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً ؟ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ ! وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ : أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ . إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ . ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ . إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ »
. . هذه هي العزة :
« أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا »
. . وذلك هو الشقاق :
« أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً . . ؟ »
. .