« كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ »
. .
وذكروا بالنعمة . نعمة البلد الطيب وفوقها نعمة الغفران على القصور من الشكر والتجاوز عن السيئات .
« بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ »
. .
سماحة في الأرض بالنعمة والرخاء . وسماحة في السماء بالعفو والغفران . فما ذا يقعدهم عن الحمد والشكران ؟
ولكنهم لم يشكروا ولم يذكروا :
« فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ، وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ : خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ »
. .
أعرضوا عن شكر اللّه ، وعن العمل الصالح ، والتصرف الحميد فيما أنعم اللّه عليهم ، فسلبهم سبب هذا الرخاء الجميل الذي يعيشون فيه ؛ وأرسل السيل الجارف الذي يحمل العرم في طريقه وهي الحجارة لشدة تدفقه ، فحطم السد وانساحت المياه فطغت وأغرقت ؛ ثم لم يعد الماء يخزن بعد ذلك فجفت واحترقت . وتبدلت تلك الجنان الفيح صحراء تتناثر فيها الأشجار البرية الخشنة :
« وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ : خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ »
. .
والخمط شجر الأراك أو كل شجر ذي شوك . والأثل شجر يشبه الطرفاء . والسدر النبق . وهو أجود ما صار لهم ولم يعد لهم منه إلا قليل !
« ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا »
. .
والأرجح أنه كفران النعمة . .
« وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ »
. .
وكانوا إلى هذا الوقت ما يزالون في قراهم وبيوتهم . ضيق اللّه عليهم في الرزق ، وبدلهم من الرفاهية والنعماء خشونة وشدة ؛ ولكنه لم يمزقهم ولم يفرقهم . وكان العمران ما يزال متصلا بينهم وبين القرى المباركة : مكة في الجزيرة ، وبيت المقدس في الشام . فقد كانت اليمن ما تزال عامرة في شمال بلاد سبأ ومتصلة بالقرى المباركة . والطريق بينهما عامر مطروق مسلوك مأمون :
« وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً ، وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ . سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ »
. .
وقيل كان المسافر يخرج من قرية فيدخل الأخرى قبل دخول الظلام . فكان السفر فيها محدود المسافات ، مأمونا على المسافرين . كما كانت الراحة موفورة لتقارب المنازل وتقارب المحطات في الطريق .
وغلبت الشقوة على سبأ ، فلم ينفعهم النذير الأول ؛ ولم يوجههم إلى التضرع إلى اللّه ، لعله يرد عليهم ما ذهب من الرخاء . بل دعوا دعوة الحمق والجهل :
« فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا »
. .
تطلبوا الأسفار البعيدة المدى ؛ التي لا تقع إلا مرات متباعدة على مدار العام . لا تلك السفرات القصيرة المتداخلة المنازل ، التي لا تشبع لذة الرحلات ! وكان هذا من بطر القلب وظلم النفس :
« وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ »
. .
واستجيبت دعوتهم ، ولكن كما ينبغي أن تستجاب دعوة البطر :